أ. م. مالكاندويف (بلقاري). حول تأثير الثقافة الأديغية على الحياة الأخلاقية لشعوب القوقاز

يُقصد تاريخياً بالاسم الجامع «الأديغة» كل من القباردي، والبجدوغ، والبيسليني، والأبزاخ، والتيميرغوي، والوبخ، والشابسوغ وغيرهم. وتُعد قبيلة القباردي الأكثر عدداً بين هذه الفروع؛ إذ يبلغ تعدادهم في روسيا الاتحادية حالياً نحو 500 ألف نسمة، بينما يبلغ عدد الأديغيين 160 ألفاً، والشركس 60 ألف نسمة.
لقد تشابه المسار التاريخي لتطور الأديغة، والأوسيتيين، والشيشان، والبلقار، والقرشاي، وشعوب داغستان، والإنغوش منذ العصور القديمة وحتى يومنا هذا في كثير من جوانبه؛ حيث اتسمت هذه الشعوب بنمط حياة متقارب وهوية ثقافية إثنية مشتركة. ومع ذلك، وباعتراف عام من العلماء وبشهادة هذه الشعوب ذاتها، كانت الثقافة والحضارة الأديغية هي الأكثر تأثيراً وسيادة، وقبل كل شيء — الثقافة الأخلاقية والقيمية للأديغة.
ابتداءً من القرن الثالث عشر، بدأت الدول الأوروبية تُطلق على الأديغة اسم «الشركس». ومع تعرّف الأوروبيين عن قرب على شمال القوقاز وعلى حياة الأديغة، أولى الكتّاب والمؤرخون الأوروبيون اهتماماً متزايداً بهم، ولا سيما بعد دحر الغزاة التتار-المغول، والآلان، والقفجاق (البولوفسيين). وفي وقت لاحق، أصبح الأديغة سادة كامل السهول الواقعة في منطقة بريدكافكازيا (أراضي ما قبل القوقاز).
وتنامى نفوذهم وتأثيرهم بين الإثنيات المحيطة بهم باطراد، بل إن شهرتهم الواسعة في البلدان الأوروبية جعلت بقية شعوب القوقاز تتوارى في الظل لقرون عديدة. ونتيجة لذلك، أُطلق على البلقار، والأوسيتيين، والإنغوش، والقرشاي أيضاً في بعض المصادر اسم الأديغة (الشركس). وغدت بنيتهم الاجتماعية، ونمط حياتهم، وتقاليدهم، وأعرافهم، وأخلاقهم، وأزياؤهم، وسلاحهم تجسيداً لحياة بقية الشعوب الجبلية. وخلاصة القول، غدا الأديغة في القرنين الثالث عشر والخامس عشر الشعب الأكثر شهرة ونفوذاً في شمال القوقاز في سائر مجالات التطور الاجتماعي. وبفضل انتشارهم على مساحات شاسعة، اشتهروا بإنجازاتهم في الميادين الاقتصادية، والثقافية، والأخلاقية، والعسكرية، وفي أساليب التنشئة والتربية؛ وأثبتوا جدارتهم كفرسان بارعين، ورماة مهرة، ومحاربين أشدّاء تميزوا بالرشاقة، والشجاعة، والجسارة، والمبادرة في ميادين القتال ضد الأعداء.
وقد قارن العالم الألماني الشهير ك. كوخ شجاعة وبسالة الفرسان والمحاربين الأديغة بفرسان القرن الثامن عشر في جنوب فرنسا. وكان من أبرز سماتهم المهارة العالية في حمل السلاح، وإتقان فن الفروسية وركوب الخيل، وحسن السلوك في المجتمع، والالتزام الصارم بآداب اللياقة والكياسة في الأماكن العامة.
وكان الأديغة (الشركس) «بقواهم الموحدة، كثيراً ما يمدون يد العون الفعّال لإيبيريا، وجورجيا، وأرمينيا، وللفرس والأتراك؛ وكانت قوتهم المهيبة تجعل القوقاز بأسره يرتعد».
وتشهد المصادر التاريخية والأدبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر على ازدهار الحياة الاقتصادية والنشاط التجاري لدى الأديغة، سواء في الزراعة، أو تربية الماشية، أو الصناعات المنزلية والحرف اليدوية. وتؤكد ذلك كتابات عدد من الرحالة والمؤلفين الأوروبيين مثل دورتيلي دي أسكولي، وجيوفاني دا لوكا، ونيكولاس فيتسن، وجان شاردان، وغيرهم.
وفي منظومة الحضارة والثقافة القوقازية، تبوأت الثقافة الأخلاقية الأديغية التقليدية مكانة الصدارة؛ إذ بلغت في مرحلة النظام الإقطاعي ذروة ازدهارها وتكاملها، وكانت إنجازاتها متفوقة مقارنة بغيرها.
وقد تحدث كبار الأكاديميين الروس بإعجاب وتقدير عن إنجازات الأديغة (الشركس) في مختلف المجالات، مثل غميلين، وغولدينشتيدت، وبالاس، وبوتوتسكي. وفي تلك الحقبة، بات القوقاز محط اهتمام دول أوروبا الغربية، حيث عكف الباحثون على دراسة نمط حياة الشعوب المقيمة هناك وثقافتها الأخلاقية.
وكتب العالم وعالم الآثار الشهير فريدريك دوبوا دي مونبيرو قائلاً: «ما أكثر نقاط الشبه التي نجدها لدى الشركس مع أخلاق اليونان القديمة، يونان هوميروس!… إن كل ما ذكرته عن تربية الرجال والنساء، وعن عمل المرأة، وعن الحياء الذي يمنع الرجل من الظهور علناً مع زوجته… كل هذا يعيدنا إلى اليونان ويجعلنا نسلّم بحتمية وجود استيطان بشكل من الأشكال، وروابط وثيقة في العصور القديمة، أتاحت للشركس الحفاظ على هذا القدر الكبير من سمات الأخلاق الإغريقية العريقة. ولكن… يظل السؤال المطروح: أي من الأمتين كانت صاحبة التأثير، وأيهما كانت المتلقية؟».
ويُساق هذا الاقتباس للتأكيد على مدى الإعجاب والشغف الذي أبداه علماء الدول الأوروبية تجاه الثقافة الأخلاقية والحضارة الأديغية.
لقد أحدثت الروحانية، والآداب، والتقاليد، والأعراف الأخلاقية في تلك الحقب صدى واسعاً في العديد من البلدان. وباتت الشعوب المجاورة، وتلك التي تقطن على مسافات بعيدة، تحاكي أسلوب ونمط الحياة الأديغي. وتؤكد التجربة التاريخية أن استيعاب شعب لإنجازات شعب آخر ومحاكاته — كالشعوب المجاورة مثلاً — لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان الشعب الأول يتمتع بتفوق نوعي في العلاقات الأخلاقية، وإذا كانت إنجازاته الثقافية تشتمل على نماذج، وقواعد سلوك، ومُثُل عليا تلبي تطلعات الآخرين وأذواقهم، مما يجعلها موضع اعتبار كنموذج يُحتذى به في سائر المجالات. وهذا بالضبط ما كان عليه الحال مع الثقافة الأخلاقية الأديغية التقليدية؛ إذ تتفرد العادات والتقاليد التي تشكّل المنظومة الأخلاقية الأديغية المعروفة باسم «أديغاغة» (الأديغية / جوهر الفروسية والأخلاق الشركسية) و«أديغة خابزة»، والتي عملت بمثابة دساتير أخلاقية وسلوكية صارمة.
وابتداءً من القرن الثامن عشر، وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر، تصدّر الشركس المصنفات والمجلدات المخصصة للقوقاز. ولم تقتصر المقالات المتخصصة عنهم على الصحف والمجلات الأوروبية فحسب، بل نشرتها الصحافة الأمريكية أيضاً، كما شغلت الثيمة الشركسية حيزاً واسعاً في الأدب الروسي.
ويشير المؤرخ الشهير ف. ك. غاردانوف قائلاً: «أصبح الشركس يجسدون كل الفضائل والخصال الرفيعة لجبليي القوقاز، والتي حظيت باهتمام وتعاطف بالغين في الأوساط المتقدمة من المجتمع الروسي. فقد جسد الشركس الشجاعة، وحب الحرية، والشهامة الفرسانية للقوقازيين. وتغنى بالشركس في أعمالهم كبار شعراء روسيا مثل بوشكين وليرمونتوف؛ وأسهمت قصائد بوشكين وليرمونتوف القوقازية الرائعة بقيمتها الفنية إسهاماً كبيراً في تعزيز الاهتمام بالشركس ليس في روسيا وحدها، بل في غرب أوروبا أيضاً».
ولم تكن محاكاة الأديغة مقتصرة على الثقافة الروحية (الأخلاقية)، بل شملت الثقافة المادية كذلك.
وهكذا، «فإن شعوب غرب القوقاز الجبلية، بمحاكاتها للقباردي في ملبسهم، وسلاحهم، وأوانيهم المنزلية، وطرق بناء مساكنهم، وأسلوب تصرفهم في المجتمع، استوعبت أيضاً وجهة النظر القباردية حول طبيعة العلاقات التي ينبغي أن تسود بين الحاكم والمحكوم، وبين الأمير وأتباعه».
وتُعد تقاليد الثقافة الأخلاقية الإثنية الركيزة الأساسية للثقافة القيمية في المجتمع الأديغي والحامل الرئيسي لذهنيته ووعيه. فقد كان يُنظر إليها كمعيار ومثال يُحتذى في السلوك الأخلاقي ونمط المعيشة. وتأكيداً لهذه الحقيقة، نورد شهادة الجنرال في الجيش الروسي إ. ف. بلارامبرغ، الذي كتب أن أمراء القباردي، بحكم أصلهم ومآثر أسلافهم، كانوا يُعدون الأوائل في نبل المحتد والدم ليس بين الشركس فحسب، بل بين سائر الشعوب الجبلية: «ولا يمكن للمرء بحق أن ينكر عليهم هذا التفوق. وبصرف النظر عن الخصال التي قد ينازعهم فيها الآخرون، فإن القباردي يتميزون بنبل الطبع، والكياسة، ونظافة الملبس والمسكن. وتشهد كل هذه الصفات على أن القباردي يقفون في مرتبة حضارية أرفع مقارنة ببقية الشعوب الجبلية… ويعترف البلقار، والشيشان، والقرشاي، والأباظة بتفوقهم هذا».
وقد أشار علماء وباحثو تلك الحقبة مراراً إلى ترسخ حضارة قوقازية جامعة، واعتبروا الثقافة الأديغية المكون الجوهري فيها. وكان لتأثير الثقافة والحضارة الأديغية على الشعوب المجاورة والنائية طابع موضوعي؛ إذ تبنى الشيشان، والأوسيتيون، والإنغوش، والبلقار، والقرشاي، والقوزاق، وشعوب داغستان أرقى إنجازاتها في الثقافة الروحية والأخلاقية للأسباب التالية:
أولاً: لأن هذه الإنجازات استجابت لاحتياجاتهم، ومصالحهم، وأذواقهم، ومنظوماتهم القيمية.
ثانياً: لأن الثقافة الروحية والأخلاقية الأديغية المتكاملة، بشهادة الشعوب الأخرى، جسدت أنبل خصال جبليي القوقاز ولعبت دوراً ريادياً مقارنة بغيرها.
ثالثاً: لأن الأديغة في عصر ازدهار الإقطاع كانوا يُعدون القوة العسكرية الأشد بأساً وبسالة في شمال القوقاز، مما عزز الاعتراف بثقافتهم من قبل جيرانهم. فقد دفعت الحاجة إلى الحماية من الغزاة الأجانب والاعتماد على عون ومساندة الشعب الأديغي القوي والمتمرس في الحروب إلى استيعاب ثقافتهم المتفوقة.
رابعاً: تجلى التأثير المهيمن للأديغة وثقافتهم في دخول مصطلحات وتعبيرات تتضمن كلمتي «أديغي» و«شركسي» إلى لغات الشعوب المجاورة. فقد اعتبر الأوسيتيون، والشيشان، والبلقار، والقرشاي، والإنغوش الرصانة والنبل الأديغي نموذجاً يُحتذى في التربية. ويقول القراشاي-بلقار في أمثالهم: «Черкесле адетни бийикде тутадыла» أي («الشركس يضعون الأعراف والآداب في أعلى منزلة»).
خامساً: ارتقى نظام التربية والتنشئة في قبارديا إلى مستوى رفيع بفضل نضج العلاقات الأخلاقية، ورقي الثقافة السلوكية، والالتزام الصارم بآداب اللياقة والكياسة. وقد جذب هذا النموذج اهتمام سائر الإثنيات والشعوب التي سعت إلى اكتساب هذه الأخلاق الرفيعة والتربية السامية.
وكان أبناء خانات القرم وأبناء «الألدار» (أمراء الأوسيتيين) «يُرسلون إلى الشركس للتربية والتعليم». كما كان الشيشان، والأوسيتيون، والإنغوش، والبلقار يبعثون بأبنائهم تحديداً إلى الأديغة ليتعلموا أصول الأدب، والشهامة، والبروتوكول.
وفي هذا الصدد، كتب السياسي والرحالة البريطاني جيمس بل عن النظام وحسن التربية الأخلاقية قائلاً: «قلّما تجد بلداً، بكل ما يملكه من قوانين مدونة وآليات عدالة معقدة، يستطيع أن يفاخر بتلك الأخلاقية، والوفاق، والسكينة، والتربية الرفيعة — بكل ما يميز هذا الشعب في علاقاته ومعاملاته اليومية المتبادلة».
سادساً: بلغت المؤسسات الاجتماعية لدى الأديغة (الشركس) غاية كمالها، مثل مؤسسة الضيافة، والكوناكية (المؤاخاة وحق الحماية)، والرعاية، والأبريكية، والخاسا (مجلس الأعيان)، ومؤسسة الجيغواكو (الشعراء والمغنون الشعبيون)؛ وقد أسهمت هذه المؤسسات عبر قرون مديدة في توارث القيم بين الأجيال، وتعزيز الروحانية والأخلاق بالدرجة الأولى. وفي هذا السياق، كان لمؤسسة «الأتاليكية» (التنشئة بالتبني) دور هائل باعتبارها المدرسة الأساسية لتربية أبناء الأمراء والنبلاء، حيث حلت محل التربية الأسرية الوالدية.
سابعاً: كان الهدف الاستراتيجي في تقاليد الثقافة الأخلاقية الأديغية يتمثل في صياغة «الإنسانية». وكانت «الأديغاغة» (الأديغية) كمنظومة أخلاقية متكاملة تهدف في جوهرها إلى توحيد الشعوب والإثنيات، وإشاعة التضامن، ونبذ التعصب القومي والعداء العرقي. وفي هذا تكمن القوة الجاذبة للثقافة الأخلاقية الأديغية. وكغيرهم من الشعوب، تميز الأديغة بالوفاء للمتطلبات والضوابط الأخلاقية المتعارف عليها، والحرص على استمراريتها. وقد عبّر عن ذلك ببراعة المفكر القرشايي البارز إسلام خوبييف (قراشايلي) قائلاً: «فيما يتعلق بالوفاء للعادات والتقاليد (العادات/الأدات) والدقة في تطبيقها، كان القباردي دائماً في مقدمة كافة القوميات. وليس من قبيل الصدفة أن تُعتبر قبارديا موطن ومشرّع سائر العادات والمعايير الأخلاقية. فالضيافة، وتوقير الكبير، واحترام المرأة، وروح التعاون المتبادل، والشهامة مع الرفاق، وخدمة الجار، وغيرها من الفضائل التي يُعبّر عنها بكلمة واحدة هي — (وورك خابزة) (أي الالتزام بالقواعد الملزمة للنبيل “الوورك”، وإن كان لها معنى أوسع وأعمق مبدئياً) — كل هذا، بعد أن تم صقله وتطويره حتى أدق التفاصيل، كان بالإمكان مشاهدته في قبارديا القديمة قبل الثورة… لقد بلغ تطور هذه الأعراف في قبارديا غايته المنطقية…».
وحين نتحدث عن التأثير الشامل لتقاليد الثقافة الأخلاقية الأديغية، فإننا نقصد بذلك منظومة من الكليات والقيم الأخلاقية الإنسانية الجامعة، التي تشمل الإنسانية، والرهافة، والاحترام، والأدب، والتواضع، وإكرام الضيف، ونحوها من الفضائل.
وكما أشرنا، فقد شكّلت تقاليد الثقافة الأخلاقية الأديغية نسقاً متكاملاً ومتناسقاً، كان فريداً وبالغ الذيوع في حقبة ازدهار الإقطاع. «ففي منظومة الأخلاق الأديغية، تؤدي (الإنسانية) دور القيمة الحاكمة والموجهة، في حين تشكّل سائر القيم الأخرى نسقاً فرعياً خادماً للأديغية. ويعني هذا عملياً أن جوهر الأديغية يفرض على الإنسان أن يكون خيّراً، وشهماً، ومحترماً، ولطيفاً، ورزيناً، وشجاعاً، وصادقاً، وكريماً باسم غاية سامية وحيدة — هي الإنسانية».
وقد استقطبت هذه الغاية النبيلة إليها البلقار، والأوسيتيين، والقرشاي، والشيشان وغيرهم من الشعوب، إذ ليس هناك ولن يكون للإنسان هدف أسمى من إظهار الإنسانية والرحمة في معاملة الآخرين.
وبحسب تعبير الباحث والمؤرخ القانوني الشهير في أعراف وتقاليد الشعوب الجبلية م. كوفاليفسكي، فإن التأثير الثقافي للأديغة على الإثنيات الأخرى في العصر الإقطاعي كان شاملاً ومحيطاً بكل الجوانب.
وقد امتد تأثير الثقافة الأخلاقية الأديغية إلى القوقاز بأسره، وتشهد على ذلك الذخيرة اللغوية والتعابير الاصطلاحية في لغات شعوب القوقاز. فعلى سبيل المثال، يقول القراشاي-بلقار: «Черкес намыс» («الشرف والضمير الشركسي»)، و«Черкесде намус бийикде жюрюйдю» («عند الشركس تُراعى الآداب على أكمل وجه وبأرقى معيار»).
ولم تكن الثقافة الأخلاقية التقليدية للأديغة تضع نفسها يوماً في مواجهة مع ثقافات الأوسيتيين، أو القرشاي، أو اللزغيين، أو القموق، أو الشيشان، أو البلقار وغيرهم. إن تطورها، وميزاتها الجلية في إنجازاتها، وقوة جاذبيتها المرتبطة بغنى محتواها ورقي شكلها، واستقرار الأديغة على رقعة جغرافية شاسعة — كل ذلك اتسم بطابع موضوعي وأسهم في التأثير السائد لثقافتهم على ثقافات الإثنيات القوقازية الأخرى.
ولنضرب مثلاً من واقع العلاقات بين الشعوب الجبلية ومجتمعات القوزاق؛ فمن المعروف أن كرم الضيافة القوقازي ومؤسسة «الكوناكية» (المؤاخاة) لعبا دوراً بارزاً في توطيد العلاقات الودية بين الجبليين وقوزاق تيريك-غريبين وغيرهم. وكانت الكوناكية بمثابة عرف قوقازي فريد للتآخي والعهد المتبادل. واعتز القوزاق بصداقتهم مع القباردي والبلقار، وتوارثوها كوصية مقدسة تناقلتها الأجيال بشرف وكرامة.
ويؤكد المؤرخ ف. غ. كولومييتس قائلاً: «إن قوزاق التيريك، بعد أن تصاهروا مع القباردي والبلقار والأوسيتيين وغيرهم من الشعوب، تبنوا نمط حياتهم، وعاداتهم، وأعرافهم».
إلا أن هذه العلاقات السلمية لم تستمر دائماً على صفائها؛ والسبب في ذلك يعود إلى سياسة القيصرية التي سعت إلى تأجيج العداوات والفتن بين القوميات القوقازية المختلفة، وكذلك بين الجبليين والقوزاق. ولم يُخفِ بعض ممثلي رجال الدين المسلمين المحليين دورهم العدائي تجاه القوزاق، حيث زرعوا في وعي السكان المسلمين البغضاء ضد القوزاق المسيحيين.
ويتضح من ذلك أن التأثير المتبادل لتقاليد الثقافة الأخلاقية كان مساراً مركباً ومليئاً بالتناقضات، واكتسى أحياناً طابعاً صدامياً على أسس طائفية ودينية، «وعلى أساس التمايزات اللغوية، والمطالبات الإقليمية وغيرها»، كما يلاحظ الباحث ر. أ. خاناخو بحق.
وكما سلف الذكر، فقد عاشت إثنيات شمال القوقاز في ظروف اجتماعية واقتصادية وجغرافية وموضوعية متماثلة؛ ونشأت بينها علاقات تجارية وروابط مصاهرة وقرابة عززت التواصل المستمر فيما بينها. ونتيجة لهذا التفاعل، انتقلت خيرة عناصر الثقافة الروحية من إثنية إلى أخرى، وحصل تمازج ثقافي خلاق. فلم يقتصر الأمر على استيعاب الثقافة الأخلاقية الأديغية فحسب، بل على العكس أيضاً، استوعب المجتمع الأديغي أفضل إنجازات الشعوب الأخرى؛ أي حدث تأثير وتلاقح ثقافي متبادل، وتجسد «حوار ثقافات» طبيعي، وتفاعل متكافئ أخذ بالحسبان الخصوصية الذاتية لكل طرف.
وتثبت التجربة التاريخية أن الأديغة لم يسعوا يوماً إلى الاستيلاء على أراضي الغير، ولا سيما أراضي الإثنيات المجاورة، بل كانوا سداً منيعاً ومدافعين عن القرشاي، والبلقار، والأوسيتيين ضد حرب الإبادة القيصرية وضد الغزاة الأجانب. وفي كل التقييمات السالفة للثقافة الأخلاقية الأديغية، بما فيها منظومة الآداب والسلوك المكرسة في «أديغة خابزة»، لا يوجد أدنى مبالغة أو تمجيد زائف للثقافة الأديغية، ولا تشوبها أية نزعة استعلاء إثني. وكما يؤكد الباحث الثقافي البارز ك. خ. أونيجيف: «لقد كانت آداب وسلوك الأديغة على الدوام نموذجاً يُحتذى وموضع إعجاب لدى العديد من الشعوب». والمسار التاريخي لتطور شعوب شمال القوقاز، وحياتهم المعاشة، هما أبلغ شاهد على ذلك.
09.02.2005