Хабзэ Логотип منظمة اجتماعية وسياسية

العالم الشركسي وأوروبا: التعاون القائم على المصالح المتبادلة

العالم الشركسي وأوروبا: التعاون القائم على المصالح المتبادلة

من الاستراتيجية الداخلية — نحو الاستراتيجية الخارجية

بالمقالات السابقة من هالسلسلة، انتقلنا خطوة بخطوة من الجغرافيا للاستراتيجية: حكينا عن الوطن التاريخي، ووضع الشراكسة بالقوقاز، ومنطقة ساحل البحر الأسود، وقبرداي، والموارد الذاتية لشعبنا والفرص اللي قادرة تقويه على المدى البعيد. والخطوة الجاية بتيجي بشكل طبيعي تماماً: إذا كنا عم نحاول نرجع نشوف مساحتنا الخاصة بعيون واعية، ونفهم نقاط قوتها وضعفها، ونحدد شو لازم نقوي من الداخل، فبيطلع بوجهنا السؤال البديهي: كيف بدنا نمثل هالمصالح، وندافع عنها، ونطورها بالخارج؟

بالبداية، كان هالنص مخطط ليكون مراجعة للعلاقات بين العالم الشركسي وأوروبا. بس بسرعة كتير، صار واضح إنه التعليم، والعودة للوطن، والتمثيل الدولي، وساحل البحر الأسود، وتأهيل الكوادر، والمشاركة بالنقاشات حول مستقبل القوقاز، كلها بتصب بقضية أوسع بكتير: العالم الشركسي محتاج استراتيجية خارجية خاصة فيه. مو مجرد شبكة علاقات ومعارف بالصدفة، ولا انتظار عطف من بعض السياسيين، ولا حتى تدوير على راعي أو حامٍ جديد، بل نظام متكامل، نابع من مصالحنا الذاتية، وقادر يعيش ويصمد مع تغير الحكومات والتحالفات والتقلبات الدولية.

العالم الشركسي موجود اليوم بكذا فضاء دولي وثقافي بنفس الوقت. الوطن التاريخي موجود بشمال القوقاز؛ والجزء الأكبر من الشتات عايش بتركيا؛ وفيه تجمعات وجاليات وازنة بالشرق الأوسط، وأوروبا، وأمريكا الشمالية. هالتشتت الجغرافي كان نتيجة للمأساة القومية الكبرى بالقرن التاسع عشر، بس بعالمنا اليوم ممكن يتحول لمصدر قوة حقيقي. بوجود مؤسسات منظمة، بيقدر شعب واحد يوصل لكذا ساحة سياسية، وأكاديمية، واقتصادية، ومجتمعية بنفس الوقت.

عشان هيك، الحوار عن أوروبا بالنسبة إلنا ما بيبدأ من سؤال: “مين جاهز يدعمنا؟” لازم نبدأ من مطرح تاني خالص: شو اللي العالم الشركسي نفسه عم يسعى يوصله؟ شو هي الإمكانيات اللي ناقصته؟ ووين في شركاء بتتقاطع مصالحهم مع مصالحنا، ولو بجزء منها؟ إحنا بحاجة نحافظ على لغتنا وثقافتنا، ونعمر ونطور وطننا التاريخي، ونوسع فرص العودة، ونبني كوادر محترفة ومؤسسات قوية، ونشارك بالقرارات اللي بتمس أراضينا ومجتمعاتنا، ونكون قادرين نحكي مع العالم الخارجي بصوتنا المستقل. والتوجه نحو أوروبا إله معنى بس بالقدر اللي بيساعدنا نحول هالمطالب لفرص وإمكانيات حقيقية على المدى البعيد.

مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للمنظمة الاجتماعية والسياسية الشركسية “خابزة” بينطلق من مبدأ بسيط وواضح: روسيا عندها مصالحها، وتركيا عندها مصالحها، والدول والمؤسسات الأوروبية عندها مصالحها الخاصة كمان. والشركس لازم يكون عندهم مصالحهم الخاصة واستراتيجيتهم المستقلة. السياسة ما بتبدأ بالمكان اللي بيوعدونا فيه بالتعاطف، بل بتبدأ بالمكان اللي بنكون فيه قادرين نحدد هدفنا بدقة، ونفهم مصلحة الطرف التاني، ونلاقي نقاط التقاطع الحقيقية بيناتنا، بدون ما يدوب طرف بالتاني.

أوروبا مو بديل عن روسيا أو تركيا، بل سند ودعامة إضافية

الاستراتيجية الخارجية الشركسية لازم ما تنبنى أبداً على خيار مفروض بين موسكو، أنقرة، وبروكسل. هيك خيار بيرجع يحطنا من جديد جوات لعبة حدا تاني. الأهم بالنسبة إلنا هو تنويع الركائز السياسية، وقنوات الاتصال، والروابط المهنية، ومصادر التمويل، والشركاء الدوليين.

تركيا إلها مكانة استثنائية بالعالم الشركسي خارج الوطن. هون بيعيش الجزء الأكبر من الشتات؛ وما في إحصائيات حديثة دقيقة، بس التقديرات المستقلة بتحكي عن ملايين الأشخاص من أصول شركسية. تركيا آوت أجداد قسم كبير من شعبنا، والروابط العائلية والثقافية والمؤسساتية معها إلها أهمية جوهرية بالنسبة إلنا. بس هالشي ما بيعني إطلاقاً إنه مصالح الدولة التركية ومصالح الشعب الشركسي متطابقة أوتوماتيكياً. أنقرة، متلها متل أي دولة ذات سيادة، رح تنطلق بالدرجة الأولى من أمنها الخاص، وتجارتها، وعلاقاتها مع روسيا، وموقعها بمنطقة البحر الأسود، ومصالحها بالطاقة وتوازنات القوى الإقليمية. وهاد أمر طبيعي ومفهوم: هيك بتشتغل سياسة الدول.

ونفس هالمنطق بينطبق تماماً على روسيا. الدولة الروسية بتحدد رؤيتها للقوقاز انطلاقاً من مفاهيمها الخاصة حول وحدة الأراضي، والأمن، وإدارة الأقاليم، والبنية التحتية، والسياسة الخارجية. ومن السذاجة نتوقع منها هي نفسها تطرح دولياً قضايا بتعزز الكيان المستقل والفاعل للعالم الشركسي — متل حق العودة، والحقوق التاريخية على الأرض، والمشاركة الخاصة بمصير ساحل البحر الأسود، أو التمثيل الدبلوماسي الدولي.

وبالضبط عشان هيك، مو مسموح إلنا نبقى معتمدين على مركز خارجي واحد أياً كان. إذا كانت النسبة الأكبر من اتصالات الشراكسة، ومواردهم، وفرصهم عم تمر عن طريق بلد واحد، فأي تحول بسياسته الداخلية أو بعلاقاته مع روسيا رح يضيق فوراً مساحة خياراتنا. هاد مو موقف ضد تركيا، ولا ضد روسيا، ولا ضد أوروبا؛ هاد موقف مبدئي ضد احتكار أي شريك لقنوات اتصالنا مع العالم الخارجي.

بهيك منظومة، إحنا ما بدنا أوروبا لتكون راعي جديد. بدنا إياها كفضاء مستقل إضافي، فيه جامعات، وبرلمانات، ومراكز أبحاث، وبلديات، وآليات لحقوق الإنسان، وصناديق تنموية، ووسائل إعلام، ومجتمعات مهنية، ومؤسسات دولة. من خلال هالمنصات، بنقدر ننقل القضايا الشركسية من مجرد أحاديث داخلية إلى التداول السياسي والبحثي الدولي المعترف فيه. وكل ما زادت وتعددت هالقنوات، بصير من الصعب جداً حصر مصير شعب كامل بعلاقاته مع دولة وسيطة واحدة.

مو المفروض نبدل راعي براعي تاني. واجبنا الحقيقي هو نطلع بالتدريج من نموذج الرعاية كله على بعضه.

الجغرافيا اللي بتعيش وتصمد أطول من الأنظمة السياسية

لحتى نفهم ليش القضية الشركسية أصلاً إلها وزن وبعد دولي، لازم نرجع خطوة لورا عن السؤال الشركسي البحت، ونطلع على القوقاز من زاوية الجغرافيا السياسية.

بالسياسة العالمية، أهمية أي رقعة جغرافية ما بتنقاس بس بعدد سكانها أو مساحتها بالكيلومترات. أحياناً، شريط أرض صغير بكون أهم بكتير من إقليم شاسع، لأنه بمر منه تدفق استراتيجي ما فيك تحوله بسهولة لمكان تاني. مضيق بحري، ممر جبلي، ميناء استراتيجي، عقدة سكك حديدية، خط أنابيب، أو وصلة طريق بتصير نقاط استراتيجية لأنها بتربط مساحات هائلة وبتقلل تكلفة نقل الناس، والبضائع، والطاقة، والبيانات، أو الجيوش.

وهيك بتنشأ الممرات، والعقد، ونقاط الاختناق الحيوية (chokepoints). الممر بوصل المساحات. العقدة بتجمع كذا اتجاه. ونقطة الاختناق بتكتسب قيمة استثنائية بالمطارح اللي بتكون فيها البدائل التانية محدودة، أو أغلى بكتير، أو أبطأ. وكل ما ارتفعت كلفة الالتفاف والبدائل، زاد الثمن السياسي للسيطرة على هالنقطة، والوصول إليها، وضمان استقرارها.

والقوقاز هو النموذج الكلاسيكي لهيك جغرافيا. سلسلة جبال القوقاز الكبرى بتفصل وبتوصل بنفس الوقت بين الشمال والجنوب. البحر الأسود وبحر قزوين برسموا الإطار الغربي والشرقي. جنوب القوقاز بفتح الطرق باتجاه تركيا، وإيران، ومنها للشرق الأوسط؛ وبحر قزوين بفتح الطريق لآسيا الوسطى؛ والمنحدرات الشمالية بتفتح مباشرة على الفضاء الروسي والأوراسي الأوسع. عشان هيك، خطوط النقل، والممرات الجبلية، والشريط الساحلي، وعقد البنية التحتية هون بتكتسب حتماً أهمية بتتجاوز حدود الاقتصاد المحلي بمراحل.

الدول، والحدود، والأنظمة الإيديولوجية بتيجي وبتروح، بس التضاريس، والجبال، والشواطئ، والممرات بتبقى متل ما هي. الإمبراطورية ممكن تسيطر على مساحة معينة، وترسم حدود إدارية جديدة، أو تهجر شعوب كاملة؛ بس ما فيها تنقل الجبل من مكانه، ولا فيها تردم البحر، ولا بتقدر تلغي المنطق الطبيعي لحركة الجغرافيا.

على مدى التلاتين سنة الماضية، صار جنوب القوقاز واحد من أبرز ميادين التنافس الدولي على خطوط الترانزيت: خط أنابيب باكو–تبليسي–جيهان، وسكة حديد باكو–تبليسي–قارص، ونقاشات الممر الأوسط، والمشاريع اللي بتربط الصين وآسيا الوسطى بأوروبا عبر البحر الأسود. وبالمقابل، بين وكأنه شمال القوقاز بقي مؤقتاً على هامش هالنقاشات العالمية الكبرى. بس هالمظهر خادع تماماً.

أي أزمة هيكلية بجنوب روسيا، أو أي إعادة تشكيل طويلة الأمد لمنظومة الأمن بالبحر الأسود، أو أي تحول بممرات التجارة الأوراسية، رح يرجع يفعل حتماً الجغرافيا السياسية لشمال القوقاز بكل ثقلها.

شركيسيا التاريخية جوات هاي الجغرافيا

إذا رجعنا ركزنا العدسة هلأ على أرضنا التاريخية، بنشوف بوضوح إنه قيمتها ما بتقتصر أبداً على الذاكرة الرمزية العاطفية.

بالغرب، كانت شركيسيا التاريخية بتطل مباشرة على الساحل الشمالي الشرقي للبحر الأسود. البحر الأسود ما كان بالنسبة إلها نهاية العالم، بل كان بوابتها المفتوحة عليه. المراكز التجارية للجنويين والبندقيين على ساحل القوقاز، والعلاقات بالقرون الوسطى مع القرم وحوض المتوسط، والتجارة البحرية والصلات الدبلوماسية، كلها بتثبت إنه الساحل على مدى قرون طويلة ربط المنطقة بأنظمة تبادل عالمية واسعة. مو لازم نجمل هالصلات برومانسية زايدة: كان فيها نزاعات وحروب ومنافسات حادة. بس وظيفة الساحل الأساسية كانت واضحة وما بدها تنين: كان عم يربط قلب القوقاز بالعالم الخارجي.

بأوائل القرن السادس عشر، كتب الرحالة الجنوِي جورجيو إنتيريانو واحدة من أشهر الأوصاف الأوروبية عن الشراكسة، وسجل فيها إنه الشعب اللي جيرانه بسموه شراكسة، بسمي حاله بلغته الخاصة “أديغة”. وهالنص اللي انكتب بسنة 1502 بيوضح قديش من زمان التقى التوثيق الأوروبي الخارجي مع الاسم القومي الأصيل للشعب نفسه.

وبعمق المنطقة، كانت قبرداي بتحتل موقع استثنائي وفريد. بالمقالات السابقة درسناها كعقدة استراتيجية لوسط القوقاز من المنظور الداخلي بالأساس. بس نفس هاي الجغرافيا بتكتسب بعد وأهمية إضافية لما تطلع عليها من برا. وسط القوقاز مو بس موطن للشعوب اللي ساكنة فيه، بل هو شبكة منافذ للجبال، والوديان، والممرات، وطرق الربط بين الشمال والجنوب. ومضيق داريال التاريخي هو واحد من أشهر الأمثلة على كيف ممر جبلي معين بيكتسب على مدى قرون أهمية كبرى بسبب ندرة الطرق السالكة عبر السلاسل الجبلية.

أكيد ما فينا نعتبر قبرداي اليوم ممر ترانزيت متل قناة السويس أو ممر زنغزور بشكل أوتوماتيكي. الخطوط الدولية الرئيسية بين أوروبا وآسيا الوسطى اليوم عم تمر غالباً بجنوب القوقاز الكبير. بس هالشي ما بيعني إطلاقاً إنه الجغرافيا السياسية لشمال القوقاز التغت. الأهمية ما بتتحدد بطريق واحد موجود اليوم، بل بالموقع ضمن منظومة كاملة: ساحل البحر الأسود، الممرات المركزية، الجنوب الروسي، والارتباط بجنوب القوقاز وقزوين. موانئ حوض آزوف والبحر الأسود — يعني الساحل الشركسي التاريخي — بتشكل حوالي 35% من كامل حجم الشحن البحري لروسيا، وهي بوابتها التجارية الرئيسية للجنوب. من هالموانئ بطلع معظم صادرات الحبوب للبلد (بين 70 و80%) ونحو 25% من كل شحنات النفط ومشتقاته المصدرة بحراً. وبالاستيراد، محطات البحر الأسود بتغطي 10 إلى 15% من حركة البضائع، وبتستقبل المعدات الصناعية والمواد الخام والأغذية من آسيا والشرق الأوسط.

شركيسيا مو مهمة لأن الشراكسة قرروا يعتبروها مهمة. هي مهمة لأنها واقعة بقلب فضاء الجغرافيا نفسها صانعة أهميته. وبما إنه الشراكسة موجودين، وعم يحافظوا على ارتباطهم بهالأرض وبشوفوها وطنهم التاريخي، بيطلع السؤال التاني الحاسم: هل بصير مناقشة المستقبل الطويل لهالمساحة وكأنه شعبها التاريخي مو موجود على الخريطة؟

اليوم الشراكسة ما عم يسيطروا لحالهم على ساحل البحر الأسود، ولا على ممرات النقل، ولا على البنية التحتية الإقليمية. وبقسم كبير من الساحل التاريخي، عددهم قليل كتير. هاد واقع، وما إله معنى نتجاهله أو نخفيه. بس التوزيع الحالي للسكان والسلطة مو هو الأفق الوحيد للتاريخ. العامل الشركسي ما بيتحدد بس بمين مسيطر اليوم على الأرض، بل باجتماع الارتباط التاريخي، والشعب الصامد بوطنه، والشتات المليوني، والهوية الجماعية المشتركة، وحلم وإرادة العودة للوطن.

شركيسيا تدخل السياسة الأوروبية الكبرى

التاريخ الدبلوماسي للشراكسة مع أوروبا ما بلش بالقرن الواحد والعشرين. بالقرن السادس عشر، كانت شخصيات من النبلاء الشراكسة والفرسان، وبخاصة من قبرداي، عم يبنوا روابط مع الفضاء السياسي البولندي–الليتواني؛ وبهالتواجد ارتبط تاريخ فرق الفرسان البياتيغورية بالكومنولث البولندي–الليتواني. صحيح هاد ما كان لسا دبلوماسية قومية موحدة، بس هيك اتصالات بتثبت إنه ممثلي القوقاز كانوا عم يدوروا على فرص وتحالفات بعيدة كتير عن محيطهم المباشر.

وبالقرن التاسع عشر، أخد التوجه البولندي طابع مختلف وأعمق. بعد ثورة 1830–1831، دائرة المهجر التابعة للأمير آدم تشارتوريسكي شافت بالقوقاز واحدة من أهم الجبهات لمقاومة الإمبراطورية الروسية. شارك فلاديسلاف زامويسكي بتجهيز رحلة السفينة الشهيرة “فيكسن” (Vixen)، وبسنة 1844 انبعث لودفيك زفيركوفسكي للشابسوغ، وبسنة 1857 وصلت مفرزة بقيادة تيوفيل وابينسكي لشركيسيا. البولنديين كان هدفهم الأساسي استعادة دولتهم المستقلة؛ والشراكسة كان هدفهم الدفاع عن وطنهم. ومن وقتها، بني التعاون مو على تطابق كامل بالأهداف، بل على تقاطع استراتيجي مؤقت بيناتهم.

التمدد الروسي بشمال غرب القوقاز تزامن مع التنافس الأوروبي المحموم على البحر الأسود، والإمبراطورية العثمانية، وطرق التجارة لآسيا. وصارت شركيسيا مادة دسمة بالجرايد الأوروبية، ونقاشات البرلمانات، والرسائل الدبلوماسية، وكتب الرحالة. ديفيد أوركوهارت، وجيمس بيل، وجون لونغورث وغيرهم من الكتاب البريطانيين خلوا القضية الشركسية قضية رأي عام واضحة بأوروبا. ولما احتجزت السلطات الروسية السفينة “فيكسن” قبالة الساحل الشركسي بسنة 1836، الأزمة كبرت بسرعة وتجاوزت مصير سفينة وحدة: انفتحت نقاشات عن الوضع السيادي لشركيسيا، وحق روسيا بفرض حصار على شواطئها، وشرعية المطامع الإقليمية الروسية.

المهم كتير لإلنا نفهم ليش أوروبا كانت عم تناقش قضية شركيسيا. بالنسبة للشركس، المعركة كانت معركة وجود ووطن. وبالنسبة للقوى الخارجية، كانت بالوقت نفسه عن موازين البحر الأسود، ولجم التوسع الروسي، ومصير الإمبراطورية العثمانية، والتجارة وطرق آسيا. تقاطع المصالح هاد هو اللي سمح بالتعاون، بس ما حول الأهداف المختلفة لهدف واحد مشترك.

بـ “إعلان استقلال شركيسيا الموجه لبلاطات أوروبا”، المنشور بسنة 1836، انطرح هالسؤال التاريخي العميق: “مين بملك السلطة ليسلمنا ويتنازل عنا؟” معنى هالسؤال أوسع بكتير من نزاع دبلوماسي عابر. هاد سؤال مبدئي عن: هل بصير مصير شعب يتقرر بس عبر صفقات واتفاقيات بين قوى خارجية؟

واللي صار بعد حرب القرم بعطينا درس بليغ جداً. بـ 5 أيار 1856، وبمجلس العموم البريطاني، اتهم اللورد جون مانرز الحكومة البريطانية بأنها دخلت بعلاقات مع القادة الشراكسة وقت الحرب واستفادت من مقاومتهم لروسيا، وبس انعمل السلام كانت جاهزة تتخلى عنهم بكل بساطة. وشبه هالمعاملة بإنك “ترمي البرتقالة بعد ما تعصرها”. هاد كان كلام سياسي معارض مو بالضرورة بوصف كل السياسة البريطانية، وفي مين عارضه برأيه. بس مجرد وجود هيك نقاش بحد ذاته مهم كتير: جوات برلمان دولة أوروبية كبرى، كان عم يتدور نقاش علني وصريح عن مدى أخلاقية وشرعية تحويل شعب صغير لأداة مؤقتة بمصلحة عابرة.

وبسنة 1862، رجع وفد من الممثلين الشراكسة لبريطانيا، بس الاهتمام الدولي ما تحول لضمانات أمنية حقيقية تمنع الكارثة اللي كانت عم تقترب. وهون بيطلع الدرس الأكبر بالتاريخ: كان فيه دبلوماسية، والصحافة كتبت، والبرلمانيين تناقشوا، وكان فيه مناصرين — وكل هاد ما قدر يحمي شركيسيا من الإبادة والتهجير.

درس الماضي مو إنه التعاون الخارجي ما إله طعمة. الدرس أقسى من هيك بكتير: تقاطع المصالح مفيد وضروري؛ بس خلط المصالح وتضييع الفروق بيناتها قاتل. الشريك ممكن يدعمنا بصدق ويكون بنفس الوقت عم يخدم أهدافه الخاصة. المشكلة بتبدأ لما نعتبر التقاطع المؤقت تحالف أبدي، أو لما تندمج أجندتنا الوطنية دون ما نحس بخطة حدا تاني.

شو ممكن تحتاج أوروبا من العالم الشركسي؟

إذا بدنا نحكي مع أوروبا مو كمستجدين ولا كأصحاب رجاء، لازم نجاوب بصدق على السؤال العكسي: شو ممكن تكسب الدول، والمؤسسات، والمجتمعات الأوروبية من التفاعل مع عالم شركسي منظم؟

أولاً — المعرفة العميقة بالمنطقة. شمال القوقاز غالباً بظهر بالمشهد الإعلامي والسياسي الخارجي بس من خلال الحروب، أو العنف، أو الأزمات. وبالنتيجة، بين كل حدث كبير والتاني، بتبقى المنطقة شبه مجهولة ومغيبة، والمعرفة بمجتمعاتها بتضل سطحية. الباحثين، والإعلاميين، والحقوقيين، ورجال الأعمال، والنشطاء الشراكسة قادرين يقدموا فهم أعمق بكتير للسياسة المحلية، والديموغرافيا، والذاكرة التاريخية، والعلاقات بين المكونات، والفرص والمخاطر. بس هالشي ما بصير ورقة قوة إلا إذا تنظمت هالمعرفة باحترافية: دراسات موثقة، قواعد بيانات، مواد باللغة الإنجليزية، منهجية علمية رصينة، وسمعة مؤسساتية ما غبار عليها.

تانياً — الشبكات العابرة للحدود. العالم الشركسي بوصل القوقاز بتركيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وأمريكا الشمالية. هيك شبكات حية ممكن تكون مفيدة جداً للتعاون الأكاديمي، والدبلوماسية الشعبية، والمشاريع الثقافية، والروابط المهنية، وفهم مجتمعات نادراً ما بكون للمؤسسات الأوروبية صلات يومية مباشرة معها.

تالتاً — وجود محاورين شرعيين وموثوقين. بأوقات الأزمات، الأطراف الخارجية شبه حتماً بتدور على شخصيات ومؤسسات قادرة تشرح اللي عم يصير، وتمثل مصالح مجتمعاتها، وتلتزم بالاتفاقات. لأي شريك دولي، التعامل مع مؤسسات قانونية ومحترفة أضمن وأربح بكتير من إنه يتفاجأ بالمسألة القومية بلحظة الانفجار. عشان هيك، التمثيل المسؤول، السلمي، والمحترف هو بحد ذاته رصيد سياسي استراتيجي.

رابعاً — الرأسمال البشري للشتات. مجرد العدد لحاله ما بصنع قوة منظمة، بس وجود ملايين من أصول شركسية، وبالأخص بتركيا، بشكّل شبكة ضخمة وإمكانيات واعدة. بيناتهم في رجال أعمال، وخبراء، وأكاديميين، ومسؤولين كبار، وشخصيات عامة منخرطة بالعمل السياسي ببلدان إقامتها. هاد الرصيد اليوم لسا مو مجمع بنظام مؤسساتي واحد، وما لازم نصوره بشكل متسرع وكأنه “كتلة شركسية” موحدة وجاهزة. بس مجرد إمكانية التعبئة المؤسساتية إلها وزن استراتيجي كبير.

خامساً — الاستقرار الإقليمي. أوروبا عندها مصلحة حيوية بأمن البحر الأسود، ومسارات التجارة الآمنة، وحماية البنى التحتية الحساسة، وتقليل مخاطر الصراعات، والتنمية المستدامة بالمناطق المجاورة. بهيك معادلة، وجود مؤسسات وطنية قادرة تعبر عن مصالحها بطرق قانونية وتدخل بمفاوضات مو عبء أبداً، بل ركيزة أساسية للاستقرار. تجاهل القضايا المتراكمة ما بلغيها؛ هو بس بزيد احتمال انفجارها بوقت متأخر وبأشكال أعنف بكتير.

وأخيراً، العامل السادس — الخيارات والبدائل الاستراتيجية (Optionality). السياسة الدولية مضطرة تحسب حساب مو بس للي صار قوة اليوم، بل كمان للي عنده مقومات يصير قوة إذا تغيرت الظروف. العامل الشركسي اليوم مقيد بضعف المؤسسات المشتركة وتشتت الإمكانيات. بس الجغرافيا، والشعب، والشتات، والذاكرة التاريخية، وفكرة العودة، كلها موجودة بمعزل عن درجة النشاط السياسي الحالية. بالنسبة للمحلل الاستراتيجي الخارجي، المعنى واضح: الضعف الحالي مو ضمانة أبداً إنه هالعامل رح يضل هامشي للأبد.

الضعف الحالي ما بيعني غياب الإمكانيات

هون بالذات ضروري ما نوقع بالوهم وخداع النفس. اليوم العالم الشركسي مو كيان جيوسياسي منظم بيحكي بإرادة سياسية وحدة باسم ملايين الناس. ما في نظام تمثيل موحد، ولا برنامج سياسة خارجية متفق عليه، ومؤسساتنا البحثية، وقاعدتنا المالية، والكوادر المدربة، والتواجد الدولي الدائم كلها لساتها غير كافية.

بس غياب التنظيم هو حالة متغيرة مو قدر نازل من السما.

إحنا عنا وطن تاريخي وشعب صامد عايش فيه. وعنا شتات واسع بملايينه. وعنا اسم قومي موحد وذاكرة جماعية حية. وعنا جمعيات ومؤسسات بدول كتيرة. وعنا فكرة العودة للوطن عم تنبض بالقلوب. وعنا روابط أسرية وتجارية وثقافية ومهنية ممتدة عبر عدة دول. وعنا حق تاريخي مشروع بالمشاركة بتقرير مصير ومستقبل الأرض اللي بننتمي إلها بأصلنا وذاكرتنا.

وتجارب العقود الأخيرة بتفرجي إنه حتى البنية التنظيمية البسيطة قادرة تتحرك بسرعة لما تفتح نافذة سياسية. أولمبياد سوتشي كان بالضبط هيك فرصة ونافذة قصيرة لنشطاء الشراكسة: قضية كانت شبه مجهولة للعالم كسبت اهتمام دولي واسع. صحيح هالشي ما صنع كيان سياسي دولي دائم، بس بين آلية العمل نفسها: حدث كبير ممكن يرفع فجأة وبسرعة قيمة هوية وقضية كانت جاهزة وموجودة من قبل.

عشان هيك مشكلتنا الأساسية مو قلة الموارد بحد ذاتها، بل عجزنا عن تجميعها بنظام مؤسساتي طويل الأمد. لازم نميز بين المورد والقدرة. الملايين من الناس مورد؛ بس التنظيم، والتمويل، والخبرة، والتفويض، والخطاب الذكي، والذاكرة المؤسساتية هي اللي بتحول هالمورد لقدرة وفعل سياسي حقيقي.

وتسكير هالفجوة بين القوة الكامنة والفعل الواقعي لازم يكون واحد من أهم أهداف الاستراتيجية الشركسية.

مو بس المنفعة، بل كلفة التجاهل كمان

الثقل السياسي للطرف ما بنقاس بس باللي بيقدر يقدمه لشريكه. أحياناً بكون بنفس الأهمية قديش بكلف تجاهله كلياً وتهميشه.

اليوم الشراكسة ما عندهم حق فيتو قانوني على قرارات البنية التحتية بالساحل الشمالي الشرقي للبحر الأسود أو بشمال القوقاز. وإذا حدا ادعى وجود هيك حق بكون عم يحكي كلام مو واقعي. بس بين غياب الفيتو الرسمي وبين الانعدام السياسي الكامل في مساحة واسعة من التحرك والفرص.

الشعب المنظم بيقدر يرفع الكلفة السياسية لأي قرارات بتمس مصالحه: بفتح نقاشات علمية متخصصة، وجمع الباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان، واستخدام الآليات البرلمانية والقضائية الدولية وين ما توفرت أسس قانونية، وبناء تحالفات دولية، وتوثيق آثار المشاريع، وجذب الإعلام، وتشكيل رأي عام ضاغط، وتقديم بدائل علمية مدروسة. هاد ما بضمن النصر المطلق وما بلغي سلطة الدول؛ بس بخلي تجاهلنا شغلة مو مريحة ومكلفة كتير لأي طرف.

عشان هيك الأصح نحكي مو عن “حق التعطيل”، بل عن القدرة على فرض ضرورة التشاور والتوافق خطوة بخطوة. كل ما كانت المؤسسات الشركسية أكتر احترافية، وشبكة علاقاتها أوسع، وحججها أقوى؛ كل ما صار من المنطقي والعقلاني لأي لاعب خارجي إنه يعمللها حساب مسبقاً، بدل ما يتورط بمشاكل وتكاليف بعد اتخاذ القرار.

هدفنا الاستراتيجي هون واضح وبسيط: المشاريع الضخمة اللي بتطال شركيسيا التاريخية مو لازم تمر تلقائياً وكأنه الشعب الشركسي ما عنده موقف، ولا مصالح، ولا تمثيل. وهاد بنوصله مو بالصراخ العالي، بل ببناء الكفاءات، والتحالفات، والمصداقية.

من حق التواجد — نحو المشاركة بالمكاسب (تقاسم المنافع)

لحد اليوم، النقاش الشركسي حول الأرض كان بيدور غالباً حول الذاكرة، والتهجير، والعودة، والتراث الثقافي. وكل هاد إله أهمية جوهرية بتضل ثابتة. بس إذا عم نحكي عن الفاعلية السياسية عن جد، بيطلع سؤال تاني حاسم: شو هو دور الشعب الشركسي بالمصير الاقتصادي لأرضه التاريخية؟

الساحل الشمالي الشرقي للبحر الأسود مو بس مكان للذكرى. هاد موانئ، وبنى تحتية، وسياحة، وأراضي، وعقارات، واتصالات، وموارد طبيعية، وممرات تجارة مستقبلية. والقيمة الاقتصادية لهالأرض عم تتولد بشكل مستمر. وهون بيطلع سؤال مبدئي: هل مكتوب على شعب اتهجر أغلبه من هالمساحة إنه يضل للأبد مجرد متفرج على استثمارها واستغلالها اقتصادياً؟

إحنا بنشوف إنه هالسؤال لازم ينطرح بوضوح وبأعلى صوت.

ولازم نكون دقيقين قانونياً بنفس الوقت. اليوم ما في قاعدة دولية نافذة أوتوماتيكياً بتعطي المؤسسات الشركسية نسبة محددة من عوائد الموانئ أو السكك الحديدية أو خطوط الأنابيب أو المنشآت السياحية بشركيسيا التاريخية. بس القانون الدولي الخاص بالشعوب الأصلية بيحتوي على معايير وقواعد مهمة بخصوص الأراضي والموارد والتشاور والتعويض والمشاركة بالقرارات اللي بتمس أراضيهم التقليدية. إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، مثلاً، بيثبت مبدأ الرابطة الخاصة بالأراضي التاريخية، وجبر الضرر الناتج عن انتزاعها، وضرورة التشاور الحر والمسبق بالمشاريع اللي بتستهدفها. وتطبيق هالقواعد على المطالب الشركسية محتاج شغل قانوني دولي احترافي وعميق.

وعشان هيك، اليوم صياغة المبدأ السياسي أهم بكتير من التفكير بآليات قانونية مو موجودة لسا.

ومبدأنا هو التالي: تنمية وتطوير شركيسيا التاريخية لازم يفيد الشعب الشركسي على المدى البعيد كمان. وهالفائدة ممكن تاخد أشكال كتيرة وملموسة: مشاركة ممثلي المجتمع بنقاش المشاريع الكبرى؛ حماية التراث الثقافي والبيئي؛ استثمارات بالمناطق اللي بسكنها الشراكسة؛ صناديق للتعليم واللغة؛ برامج لدعم العودة واندماج العائدين؛ دعم المشاريع المحلية لرواد الأعمال؛ الرقابة البيئية؛ ولما تنضج الظروف السياسية والقانونية — آليات خاصة لتقاسم المنافع (benefit-sharing)، يعني المشاركة بالأرباح والعوائد الناتجة عن استغلال الأرض ومرافقها.

بالعالم في نماذج مختلفة وين الشعوب الأصلية والمظلومة ما بتاخد بس تعويض عن الضرر، بل حصة ثابتة وطويلة الأجل من عوائد مشاريع الموارد والبنى التحتية: صناديق تنمية، اتفاقيات تقاسم أرباح، حصص ملكية، برامج تدريب وتوظيف مضمونة، وأدوات تمويل خاصة. إحنا ما عم نقترح نسخ تجارب غيرنا بالقوقاز بشكل حرفي. بس مبدأ مشاركة الشعب بالمصير الاقتصادي لأرضه اللي ارتبط فيها تاريخياً هو مبدأ مفهوم ومقبول بكل المعايير الدولية، وبيستاهل ينبحث ويتطبق على الحالة الشركسية.

تطبيق هيك مطلب اليوم مقيد بظروف سياسية وقانونية صعبة. بس غياب الآلية ما بيعني أبداً غياب الحق والمصلحة. تثبيت الموقف السياسي مهم جداً كخطوة للمستقبل. وإذا تغيرت المعطيات بعد عشر أو عشرين سنة، ما لازم العالم الشركسي يبدأ الحوار من الصفر ليثبت إنه أصلاً صاحب مصلحة وحق.

شركيسيا التاريخية مو بس أرض لذاكرتنا. هي فضاء مصالحنا الثقافية والسياسية والاقتصادية الطويلة الأمد.

أوروبا كساحة لتفعيل الأجندة الشركسية

وهون بالضبط بتبين الصلة المباشرة بين كل هاي الأسئلة وبين أوروبا.

أغلب المواضيع اللي عم نحكي عنها اليوم شبه غايبة عن التداول السياسي الدولي. حق العودة بينحكى فيه بس جوات البيت الشركسي؛ ومكانة شركيسيا التاريخية بجغرافيا البحر الأسود السياسية شبه مو مدروسة برا؛ ومسألة المشاركة الاقتصادية للشعب بتنمية أرضه لسا بدها صياغة؛ والمعلومات عن الجاليات الشركسية بأوروبا لساتها مجزأة.

التوجه نحو أوروبا ما بهدف “نسلم” هالقضايا لأوروبا، بل لنخلق منصات إضافية بتخليها مادة للبحث الجاد والنقاش المسؤول. هاد فرق جوهري. ما بدنا حدا يكتبلنا برنامجنا نيابة عنا. بدنا برنامجنا الذاتي يلاقي قنوات يوصل فيها للعالم.

تدويل أي قضية سياسية نادراً ما ببلش بقرار برلمان فوري. الطريق عادة أطول بكتير: بالبداية بتتشكل الفكرة بوضوح؛ بعدين بيجي البحث الأكاديمي؛ والملفات القانونية والتحليلية؛ والدراسات؛ والمؤتمرات؛ وبرامج الجامعات؛ والخبراء المهتمين؛ والصحفيين؛ ومنظمات حقوق الإنسان؛ والبرلمانيين؛ ومؤسسات الدولة؛ والمنظمات الدولية. وبعد كل هالشغل التراكمي، ولما تتهيأ الظروف، بتدخل القضية بالأجندة الدبلوماسية والمفاوضات الرسمية.

وهون بالضبط القيمة الاستراتيجية للعمل مع أوروبا: هي بتوفر بيئة بنقدر فيها نبحث ملفاتنا ونوثقها ونحطها على الطاولة الدولية قبل وقت طويل من فتح النوافذ الدبلوماسية.

بس لحتى ننجح بهالشي، لازم نفهم منيح شو هي أوروبا وكيف بنشتغل معها صح.

أوروبا مو كيان ولا كتلة وحدة

عبارة “الشغل مع أوروبا” فضفاضة كتير لحتى تكون استراتيجية حقيقية. أوروبا مو دولة وحدة، ولا كتلة إيديولوجية متجانسة. أوروبا منظومة معقدة كتير، فيها مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وحكومات وطنية، وإدارات محلية، وبرلمانات، ومحاكم، وجامعات، ومراكز أبحاث، وصناديق مانحة، ووسائل إعلام.

وكل جهة من هدول بتشتغل بمنطق مؤسساتي مختلف تماماً:

الحكومات والدوائر الدبلوماسية بتبدي الاستقرار الجيوسياسي، والتجارة، وأمن الطاقة، والعلاقات الثنائية مع القوى الإقليمية. بينما البرلمانات الأوروبية ومؤسسات حقوق الإنسان (متل مجلس أوروبا) بتركز على المعايير الإنسانية، وحقوق الشعوب الأصلية، والتراث الثقافي، وحماية الأقليات، والقانون الدولي. والجامعات ومراكز الفكر والصناديق التنموية بتهتم بعمق البحث العلمي، والبيانات الموثقة، والرصانة الأكاديمية، والقدرة المؤسساتية.

الشغل الناجح مع أوروبا بيعني نبطل نطلق نداءات عامة لـ “أوروبا ككل”، ونتعلم نحدد بدقة أي جهة ومستوى مؤسساتي بناسب أي مهمة وهدف.

شراكسة أوروبا كبنية تحتية للتواجد الفاعل

الاستراتيجية الأوروبية ما بتبدأ من فراغ. في آلاف الشراكسة عايشين اليوم بالبلدان الأوروبية: بألمانيا، وفرنسا، وهولندا، والنمسا، وبلجيكا، وبريطانيا، وغيرها.

كتير منهم تخرجوا من جامعات أوروبية، وبيحكوا لغاتها بطلاقة، وبيشتغلوا بالقوانين المحلية، وأسسوا أعمال ناجحة، وفاهمين الثقافة السياسية والإدارية هناك من جوا.

هالمجتمع مو بس شتات مهاجر؛ هو جسر طبيعي بين القوقاز والشتات العريض بالشرق الأوسط وبين الحياة العامة بأوروبا.

المهمة الاستراتيجية هي مساعدة هالمجتمع لينتقل من مجرد معارف شخصية ولمات عائلية غير رسمية، إلى منظمات محترفة قادرة تكون محاور وممثل معتبر أمام المؤسسات الأوروبية.

من الشتات إلى التوزيع الوظيفي للأدوار

التشتت الجغرافي للشعب ممكن يكون نقطة ضعف قاتلة إذا كل جالية عاشت منعزلة بهمومها المحلية. بس بيقدر يتحول لورقة قوة هائلة إذا انبنى تقسيم عمل وظيفي ذكي بين أجزائه.

اليوم العالم الشركسي إله تلات مراكز ثقل رئيسية:

الوطن التاريخي بالقوقاز هو المركز الروحي والشرعي اللي ما إله بديل لهويتنا واستمرارنا الديموغرافي وحقوقنا التاريخية. وتركيا هي المجمع السكاني والاجتماعي والثقافي الضخم للشتات. وأوروبا هي المدخل المباشر للقانون الدولي والمنابر الأكاديمية والسياسية والمؤسسات العالمية.

ولما هالمراكز التلاتة تشتغل بدون تنسيق، سهل كتير تتباعد سياسياً وكل طرف يروح باتجاه. بس لما ينسقوا سوا، بنخلق تكامل قوي بالأدوار:

الوطن بحدد الاحتياجات الأساسية وبحافظ على الأرض والديموغرافيا؛ وشتات تركيا بأمن التعبئة الشعبية الواسعة والتأثير الإقليمي؛ والمنظمات بأوروبا بتعد الملفات القانونية الدولية، وتعمل الأبحاث، وتتواصل مع المؤسسات متعددة الأطراف، وتفتح منصات خارجية للقضية الوطنية.

الفاعلية والكيان المستقل بدهم كوادر ومؤسسات

أقوى جغرافيا بالعالم ما بتنفع شعب بشي، إذا ما كان عنده ناس قادرة تحللها، وتصيغ المطالب بلغة العصر، وتفاوض عليها باحترافية.

إذا العالم الشركسي بده ينحسبله حساب كفاعل سياسي حقيقي، لازم يستثمر بوعي ببناء وتأهيل كوادره البشرية:

حقوقيين دوليين متخصصين بالقانون الدولي العام وحقوق الشعوب الأصلية وقانون البحار؛ ومحللين سياسيين فاهمين دهاليز السياسة الأوروبية؛ واقتصاديين متخصصين بالبنى التحتية والموارد؛ ومترجمين وإعلاميين محترفين قادرين يقدموا الحجج والخطاب باللغات الأوروبية الرئيسية دون الحاجة لوسطاء.

وهاد بطلب الانتقال من الحماس التطوعي العفوي إلى مؤسسات دائمة وممولة.

العمل السياسي الجاد ما بنبنى بس على نشاط تطوعي بعطلة نهاية الأسبوع. بده مراكز أبحاث، وموظفين متفرغين، وميزانيات تشغيلية، وأرشيف مؤسساتي منظم.

ومقياس النضج السياسي الوحيد هو قدرة الشعب على تمويل مؤسساته بنفسه بدل ما يضل يدور على رعاية خارجية.

مين بحكي باسم الشراكسة؟

كل ما زادت جدية مطالبنا، بصير سؤال الشرعية والتمثيل مسألة حتمية ما في مهرب منها.

بالسياسة الدولية، ما حدا بيقدر يجي من الباب للطاقة ويقول أنا “ممثل الشعب” بدون ما يكون عنده شرعية ملموسة وتفويض واضح.

والتصريحات المتناقضة والانفعالية اللي بتطلع من شخصيات نصبت حالها قادة باسم الشعب كله، عم تشوش على الشركاء الدوليين وتضرب مصداقية القضية الشركسية.

شرعية التمثيل لازم تنبنى على الواقع: بروابط حقيقية مع المجتمعات والجمعيات على الأرض، وبإدارة داخلية شفافة للمنظمات، وبالالتزام بالقوانين والإجراءات، وبالقدرة على تنفيذ الوعود والعهود.

إحنا مو بحاجة جهاز بيروقراطي حديدي يحاول يسيطر على كل تفاصيل الحياة. إحنا بحاجة ائتلاف وتنسيق شفاف تتفق فيه المنظمات المستقلة على الخطوط الحمراء المشتركة، وتحدد تفويضات محددة ومدروسة للتحرك الخارجي، وتنسق بالأولويات الاستراتيجية الكبرى.

الاستقلالية بتنقاس بالقدرة على اختيار الشركاء

العمل الخارجي بكون إله معنى بس طالما الطرف الشركسي محافظ على استقلالية قراره وحركته.

أي شعب بربط حاله بدون شروط برباط واحد مع راعٍ خارجي، ببطل يكون فاعل سياسي مستقل وبتحول لأداة قابلة للاستبدال والاستغناء عنها بأي وقت.

الاستقلالية الحقيقية ما بتثبت بالخطابات والشعارات الرنانة؛ بل بالقدرة الواقعية على قول “لا” للشروط غير المقبولة، وبتقييم كل شراكة بميزان المصلحة القومية، وبالقدرة على التحرك بعدة مسارات دبلوماسية بوقت واحد.

لازم نتجنب الوقوع بفخ الجمود الإيديولوجي. بالعلاقات الدولية المصالح بتتغير، والأنظمة بتتبدل، وخصوم اليوم ممكن يصيروا محاورين ضروريين بكرا.

القاعدة الذهبية للاستراتيجية الخارجية الشركسية لازم تكون: الحفاظ على كل قنوات الاتصال المفتوحة، وعدم التنازل عن الاستقلالية الذاتية، وحرية اختيار الشركاء وفق مبدأ المنفعة المتبادلة.

فهم السياسة الخارجية ضرورة بالوطن كمان

الاستراتيجية الخارجية ما بصير تكون حكر بس على الشتات. أهلنا الصامدين بالوطن التاريخي لازم يفهموا آليات السياسة الدولية بنفس النضج والوعي.

لما الوطن والشتات يعيشوا بعوالم إعلامية ومعرفية مفصولة تماماً عن بعض، بنشأ الشك وعدم الثقة بشكل تلقائي. الشتات ممكن يتهم الوطن بالحذر الزايد؛ والوطن ممكن يتهم الشتات بالتهور والراديكالية اللي مو حاسة بالمخاطر والواقع الداخلي.

وتجاوز هالشرخ بده حوار داخلي دائم وناضج. لازم المجتمع بالداخل يفهم كيف بتشتغل المؤسسات الدولية، وكيف الدبلوماسية الخارجية ممكن تحمي المصالح المحلية. وبالمقابل، لازم الشتات يراعي بكل حساسية ومسؤولية القيود القانونية والسياسية والأمنية اللي بعيشوا تحتها الناس بالقوقاز.

الاستراتيجية الوطنية بتكون قوية بس لما تكون خطوات الخارج عم تدعم صمود الداخل مباشرة، مو عم تعرضه للخطر.

العودة للوطن كاختبار عملي للفاعلية السياسية

العودة للوطن (حق العودة) هي واحدة من القضايا اللي بتصطدم فيها السياسة الرمزية فوراً بالواقع الإداري والعملي الصعب.

على مدى أجيال، كان الحديث عن العودة عم يدور كحق أخلاقي وتاريخي. وهالشي بضل حق ثابت وما حدا بيقدر يجادل فيه: العودة حق أخلاقي وتاريخي مقدس. بس الحق اللي ما عنده آلية تنفيذ عملية بضل مجرد أمنية بالهوا.

تحويل العودة لواقع شغال بده شغل قانوني، ودبلوماسي، ولوجستي جبار: اتفاقيات ثنائية حول الجنسية، والإقامات القانونية، وحقوق التملك والعقار، وتعليم اللغة، ومعادلة الشهادات المهنية، وبرامج التكيف الاقتصادي، والتنسيق الإنساني بأوقات الأزمات الإقليمية.

والمؤسسات الأوروبية والهيئات الدولية للهجرة عندها أنظمة متطورة جداً وبروتوكولات للعودة الطوعية وإعادة التوطين والاندماج. العمل مع هاي الآليات بيساعد المنظمات الشركسية تنقل موضوع العودة من مجرد خطاب عاطفي لبرنامج عملي وسياسي معترف فيه دولياً.

وإذا ما قدرنا ننظم العودة والاندماج العملي لكم مية عيلة بوقت أزمة حقيقية، فكل كلامنا عن العودة الجماعية بضل مو مقنع للعالم برا.

مساعدة أبناء الوطن ليحافظوا على طاقتهم بأوروبا

المؤسسات الشركسية بأوروبا لازمة كمان لكل الشراكسة اللي وصلوا حديثاً لأوروبا — سواء من الوطن، أو من سوريا، أو من غيرها.

لما يوصل الشخص لبلد جديد، بواجه فوراً مشاكل معقدة: تسوية الوضع القانوني، حاجز اللغة، الشغل، تعديل الشهادات، والاندماج الثقافي. وإذا انتركوا لحالهم، في خطر حقيقي للتهميش أو الذوبان والاندماج التام اللي بضيع الهوية.

الجمعيات الشركسية بتقديمها للمساعدة القانونية، ودورات اللغة، وشبكات التعارف، والأنشطة الثقافية، قادرة تساعد القادمين الجدد يصيروا مواطنين ناجحين بالبلدان اللي استقبلتهم، وبنفس الوقت يضلوا جزء فعال من المجتمع الشركسي العالمي.

من المعارف الشخصية إلى نظام للتواصل السياسي

وحدة من نقاط الضعف المزمنة بالحركات الشعبية هي شخصنة العلاقات الخارجية. ناشط بعرف نائب، والتاني بعرف أستاذ جامعة، والتالت بعرف موظف بصندوق دعم. بعدين الناس بتغير شغلها، والنشطاء ببعدوا، والعلاقات بتنقطع، وبنرجع نبلش من الصفر.

إحنا بحاجة ذاكرة مؤسساتية: سجل نشط للشركاء، تاريخ الاتصالات والاجتماعات، روزنامة سياسية، أرشيف للمراسلات، والاتفاقات، ومسؤولين محددين، وآلية واضحة لتسليم واستلام الملفات. المعلومات الحساسة لازم تنحفظ بأمان، وما تضيع مع خروج الشخص اللي عمل الاتصال.

بالبداية، بكون كافي وجود منظمات قوية بكذا دولة رئيسية. وبعدين بنقدر نبني شبكة تنسيق حسب المجالات — العودة، والتعليم، والبحر الأسود، والأبحاث، واللغة، وحقوق الإنسان، والتنمية الاقتصادية. ولما بصير عنا تدفق مستمر للمهام، بنوجد الأساس المنطقي لوظائف مهنية متفرغة ومدفوعة الأجر.

ما بدنا ألبوم صور وتذكارات مع شخصيات نافذة؛ بدنا نظام مؤسساتي بعيش بعد ما تتغير هاي الشخصيات.

عدم رهن مستقبل الشعب بسيناريو واحد

ما حدا بيعرف كيف رح تكون روسيا بعد عشر أو عشرين سنة. ممكن تضل دولة شديدة المركزية، وممكن تمر بإصلاحات، أو ترجع تطبع علاقاتها جزئياً مع الدول الأوروبية، أو تضل بمواجهة طويلة، أو تواجه أزمة داخلية. وبين كل هالاحتمالات في خيارات وسيناريوهات كتيرة بالوسط.

وبنفس الطريقة تماماً، مستحيل نعرف كيف رح تتطور تركيا، وقديش رح يضل الوجود الأمريكي بالمنطقة مؤثر، وأي ممرات ترانزيت رح تكون الأهم لأوروبا، وكيف رح تتغير منظومة الأمن بالبحر الأسود.

الاستراتيجية الوطنية المسؤولة لازم ما تشتغل بس لحساب سيناريو واحد مفضل ومرغوب.

إذا كان برنامج تعليمي مفيد بس بحال تفككت روسيا — هاد بكون برنامج ضعيف وفاشل. وإذا كان ملف العودة للوطن صالح بس بوقت المواجهة بين موسكو وأوروبا — بكون أفقه ضيق كتير. وإذا كانت العلاقات مع أوروبا إلها معنى بس طالما أوروبا عم تتخانق مع روسيا، بنكون عم نرجع نبني استراتيجيتنا الوطنية على حساب مصالح غيرنا وتقلباتهم.

المبادرات الأقوى هي اللي بتحافظ على قيمتها بكل السيناريوهات: كوادر مؤهلة، ومراكز أبحاث، ومشاريع للغة، وخبرة قانونية عميقة، وشبكات عابرة للحدود، وأرشيف، وتمويل ذاتي، ومفاوضين محترفين، وخريطة مصالح واضحة، وقدرة على صياغة المواقف بسرعة.

الاستراتيجية مو رهان على نبوءة وحدة. هي زيادة عدد الخيارات اللي بنقدر نستفيد منها مهما اختلف شكل المستقبل.

من الطرح النظري — إلى القدرة العملية

كل المطالب والآمال اللي حكينا عنها رح تضل مجرد كلام بالهوا، إذا ما قدرنا نقيسها بنتائج ملموسة على الأرض.

من اليوم، فينا نعمل خريطة شركاء أوروبيين؛ ونبدأ ملف احترافي لقضية العودة؛ ونبني قاعدة بيانات حديثة لخبراء الشتات؛ ونحضر مواد رصينة باللغة الإنجليزية عن شركيسيا التاريخية وساحل البحر الأسود؛ ونطلب دراسة مقارنة لنماذج تقاسم منافع البنى التحتية للشعوب الأصلية؛ ونطلق برامج لتدريب مفاوضين للمستقبل.

وعلى مدى تلات لخمس سنين، لازم المعايير تصير أصعب بكتير: هل صار عنا روابط دائمة مع الجامعات؟ هل عم تنشر أبحاث استراتيجية منتظمة بالإنجليزية؟ هل طلع عنا متخصصين بالسياسة الأوروبية والقانون الدولي واقتصاد البنى التحتية والعودة؟ هل قدرت قضية شركسية وحدة على الأقل تدخل بالنقاش السياسي أو الأكاديمي الأوروبي بشكل دائم؟ هل جمعياتنا قادرة تصيغ تفويض محدد وتفاوض عليه سوا؟

وعلى مدى عشر لخمسطاشر سنة، الأهم ما بكون النجاحات الفردية المنفصلة، بل الاستدامة وإعادة الإنتاج: هل المتخصصين عم ينقلوا معرفتهم للجيل الجديد؟ هل الجمعية قادرة تعيش وتكمل إذا تغير رئيسها دون ما تفقد شبكة علاقاتها؟ هل المهام الأساسية قادرة تشتغل بدون ما تعتمد على منحة خارجية وحدة؟ هل في صناديق استثمارية ذاتية، وأرشيف أبحاث، وكوادر، وسمعة مجتمعية طيبة؟

هون بالضبط بتختبر قيمة التوجه الأوروبي كله. إذا بعد كم سنة ما ضل غير الصور، والخطابات الحماسية، ومعارف عابرة مع كم سياسي، بتكون الفرصة السياسية انحرقت وضاعت. أما إذا بقي عنا متخصصين، وأبحاث، وبرامج بالجامعات، ومؤسسات عم تشتغل، وملفات قانونية، وخبرة تفاوض، وتمويل مستقل، وتواجد محترم للقضية الشركسية بالفضاء الأوروبي — بكون هالمسار استخدم بحكمة وصح.

الحفاظ على الكيان والفاعلية كمبدأ أساسي

تاريخ علاقات الشراكسة مع أوروبا بيمتد لقرون طويلة. أوروبا اهتمت بشركيسيا كذا مرة؛ بس للأسف كتير أوقات كانت شركيسيا تهمهم لأنها كانت حجر برقعة شطرنج حدا تاني. في مين شاف فيها سد ضد التمدد الروسي، وفي مين شافها سوق تجاري، وفي مين شافها قصة نضال أسطورية عشان الحرية. بس بالنسبة للشركس أنفسهم، كانت القضية دوماً هي وطنهم ومستقبل وبقاء شعبهم.

اليوم الوضع مختلف، بس المبدأ بضل ثابت. روسيا عندها استراتيجيتها. وتركيا عندها استراتيجيتها. والدول الأوروبية وأمريكا وباقي اللاعبين الكبار عندهم مصالحهم بالبحر الأسود والقوقاز. مو من حقنا ولا بمقدورنا نطلب منهم يتخلوا عن مصالحهم. المطلوب منا إحنا نبطل نتخلى عن مصالحنا.

أوروبا مهمة لإلنا مو لأنها مجبرة تحل القضية الشركسية، ولا لأن مصالحها رح تتطابق مع مصالحنا للأبد. هي مهمة كفضاء إضافي للموارد، والمعرفة، والمؤسسات، والتواصل السياسي، اللي بنقدر من خلاله نطرح قضايانا دولياً — حق العودة، وأرضنا التاريخية، وساحل البحر الأسود، ولغتنا، وتعليمنا، وتمثيلنا، والمشاركة الاقتصادية، وحق شعبنا بإنه ينسمع صوته لما ينحكى عن مستقبل وطنه.

وبنفس الوقت لازم نوضح لشركائنا الأوروبيين إنه العالم الشركسي مو مجرد ذكرى تاريخية بكتاب. إحنا شعب عابر للحدود، مرتبط بأرض إلها أهمية استراتيجية عليا، قادر يقدم معرفة وشبكات شراكة ومحاورين شرعيين؛ وإذا تنظم كفاية، قادر يفرض تكاليف سياسية ومعنوية حقيقية على أي قرارات بتتجاهل مصالحه بالكامل.

بس وزن أي طرف بالسياسة ما بيجي بالبيانات — بل بنبنى بالجهد والمؤسسات. ما فينا نستبدل المؤسسات بالأرقام المجردة للشتات. وما فينا نبدل الموقف القانوني المحترف بالبكاء على أطلال المظلومية التاريخية. وما فينا نطالب بالمشاركة بالأرباح والمكاسب بدون ما نطور نموذج عملي لهالمشاركة. وما فينا ندعي التمثيل بدون تفويض صريح. وما فينا نحكي عن سياسة خارجية مستقلة وإحنا معتمدين مالياً وفكرياً على مركز خارجي واحد.

قبل قرنين تقريباً، سأل مبعوثو الشراكسة أوروبا: “مين بملك السلطة ليسلمنا ويتنازل عنا؟” اليوم لازم نطرح السؤال بصيغة تانية: مين لازم يحدد أجندتنا الوطنية؟

والجواب بالنسبة لإلنا واضح كالشمس: إحنا نفسنا.

بس هالجواب ما بكون إله أي قيمة إذا ما كان وراه قدرة على البحث والحساب الدقيق، وتدريب المحامين والمفاوضين، وتمويل مؤسساتنا الخاصة، وصياغة المطالب، واختيار الشركاء، وقول “لا” للشروط غير المقبولة، وعرض التعاون المشترك المبني على المنفعة المتبادلة بالمطارح اللي بتتقاطع فيها المصالح.

لازم نحدد مسبقاً مصالحنا، وعروضنا، وحدود تنازلاتنا وتوافقنا. ولازم نرجع العامل الشركسي للحوار الدولي الجاد مو بالصوت العالي، بل بجودة التنظيم والمؤسسات. وإذا رجعت شركيسيا التاريخية ساحة لتنافس اقتصادي وسياسي كبير، لازم الشعب الشركسي ما يكون بموقع المتفرج اللي بيسمع بالقرارات بعد ما تكون انطبخت وتنفذت.

الكيان والفاعلية السياسية ما بتبلش بإعلان الاستقلال، بل بالقدرة على الفعل المستقل. ولنبني هاي القدرة، لازم نشتغل سوا وإيد بإيد.

أديغة لـَـبـْـقـِـر بسـَـوْش!

مركز الدراسات الاستراتيجية للمنظمة الاجتماعية والسياسية الشركسية “خابزة”.