قبرداي: من القوة التاريخية لاستراتيجية المستقبل بالقوقاز الأوسط

بالمقالات السابقة من هالسلسلة، حكينا كتير عن منطقة البحر الأسود، وكوبان، وأراضي الشابسوغ، وباقي المجتمعات الشركسية الغربية. وهاد شي طبيعي: لأنه ساحل البحر الأسود بالذات مرتبط بالعقود الأخيرة من الحرب الروسية الشركسية، وبالتهجير الجماعي للشركس، وخسارة جزء كبير من أراضينا التاريخية، وجغرافية الذاكرة الوطنية اللي حاضرة بقوة بوعي كل شركسي اليوم. بس إذا طلعنا ع شركيسيا بس من جهة البحر الأسود، رح يضيع منا نص تاريخها تقريباً. العالم الشركسي كان عنده محور تاني كبير – محور القوقاز الأوسط. وكان قلب هالمحور هو قبرداي، اللي بتعرفها المصادر قبل الثورة وكتابات التاريخ الحديث باسم شركيسيا الشرقية؛ وهاد المصطلح بالذات “قبرداي (شركيسيا الشرقية)” هو اللي بيستخدمه مثلاً المتحف الوطني لجمهورية قبردينو – بلقاريا.
هون كانت تلتقي طرق السهوب والجبال، القوقاز الغربي والشرقي، وشمال القوقاز مع ما وراء القوقاز. هون كانت منطقة الجبال الخمسة (بياتيغوريه)، وأحواض أنهار مالكا، وباكسان، وتشيغيم، وتشيريك، وممر تيريك – سونجا، والمداخل الشمالية للطرق اللي بتعبر السلسلة الجبلية القوقازية الرئيسية. أمراء قبرداي شاركوا بسياسات موسكو، والقرم، والدولة العثمانية، وفارس، وقبيلة النوغاي، والممالك الجورجية، وتنافسوا وعقدوا تحالفات مع المجتمعات القوقازية المجاورة. مشان هيك، ما كانت قبرداي التاريخية مجرد منطقة تجمع سكاني لفرع من الأديغة، بل كانت لعدة قرون وحدة من أهم المنظومات السياسية بكل شمال القوقاز.
اليوم، ما بقي من هيديك الجغرافيا إلا خريطة إدارية مختلفة تماماً. الكتلة الأساسية لشركس قبرداي موجودة بقبردينو – بلقاريا، وفي وجود لشركس الشرق كمان بقراتشاي – تشيركيسيا، وبياتيغوريه تابعة لإقليم ستافروبول، وموزدوك بأوسيتيا الشمالية، وبعض المناطق اللي كانت مرتبطة بالمنظومة السياسية القبرديّة صار عندها من زمان تاريخ عرقي وسياسي مختلف كلياً. بس الخريطة الإدارية الحالية ما بصير تلغي الخريطة التاريخية وتنسينا إياها. بالنسبة إلنا نحنا الشركس، هاد الموضوع مو مشان نقعد نرسم حدود قديمة واسعة ع كيفنا، بل لحتى نفهم مكانتنا الحقيقية بالقوقاز. إذا كان القسم الغربي من تاريخنا بيفسر كتير من مأساة القرن التاسع عشر، فقبرداي بتساعدنا نفهم شي تاني: كيف كان الشركس بيوم من الأيام بقلب سياسة القوقاز الأوسط – وليش خسرنا هالمكانة.
1. من بياتيغوريه لنهر تيريك: مساحة قبرداي التاريخية
قبرداي التاريخية فعلياً ما بتنرسم متل جمهورية حديثة بأعمدة حدودية. بالقرون المختلفة، كانت مساحة التواجد الشركسي الفعلي بقبرداي، وإقطاعيات بيوت الأمراء، والمراعي الموسمية، وأراضي المجتمعات التابعة إلها، ومناطق نفوذها السياسي الأوسع، ما بتطابق مع بعضها دائماً. مشان هيك، أوسع الخرايط لقبرداي وأضيقها بيقدروا يعتمدوا بنفس الوقت ع مصادر حقيقية، لأنهم ببساطة عم يصوروا أشكال مختلفة من المساحة والنفوذ. النواة الأكتر ثباتاً لقبرداي الكبرى كانت الأراضي الجبلية وسفوح الجبال والسهول بأحواض أعالي كوبان، وكوما، ومالكا، وباكسان، وتشيغيم، وتشيريك والأنهار القريبة منها؛ أما قبرداي الصغرى فكانت شرقية أكتر، بمساحة تيريك – سونجا. وبدايات القرن التاسع عشر، وصف يوهان بلارامبيرغ قبرداي الكبرى من خلال أنهار بودكوموك، ومالكا، وتيريك، وكتب عن قبرداي الصغرى إنو “تيريك بيخدمها من الغرب”، بينما نهر سونجا بيشكل حدودها الشرقية.
وإذا حكينا بشكل تقريبي، فمن الجنوب كانت أراضي قبرداي السهلية وسفوح الجبال بتستند ع مجتمعات الجبال العالية وسلسلة جبال القوقاز الرئيسية؛ ومن الشمال كانت تفوت بسهوب ما قبل القوقاز، وين كانت الحدود تتغير باستمرار حسب العلاقات مع النوغاي والقرم والخطوط العسكرية الروسية لاحقاً؛ ومن الشرق كانت نواة قبرداي الصغرى توصل لتيريك وسونجا، وتمتد علاقاتها السياسية وروابط التبعية لمجتمعات القوقاز الأوسط وشماله الشرقي؛ أما من الغرب فكانت منطقة بياتيغوريه مهمة بشكل خاص، وبفترات أقدم كانت مناطق استقرار الشركس ونفوذهم توصل لأعالي كوبان ولابا وأورُب. وفي بكتابات التاريخ القبردي تصورات أوسع بكتير للقرنين السادس عشر والسابع عشر بتوصل لحدود بحر قزوين، بس هون لازم ما نخلط بين النفوذ السياسي وبين النواة العرقية الثابتة، وأكيد مو مع حدود الدول بالمعنى الحديث.
منطقة بياتيغوريه بالذات مثال واضح كتير ع هالموضوع. الاسم الروسي القديم “شراكسة الجبال الخمسة”، اللي كان مستخدم بكثرة بالقرنين السادس عشر والسابع عشر للدلالة ع الأديغة الشرقيين، بيذكرنا قديش كانت خريطة منطقة المياه المعدنية القوقازية الحالية مختلفة قبل كم قرن. مناطق بودكوموك، وكوما، وجبل بيشتاو (Iuashkhitkhu) كانت مرتبطة بالمجتمعات القبرديّة بالمراعي، والمستوطنات، والطرق، والمصالح السياسية المشتركة. بالنسبة لواحد عايش اليوم، نالتشيك وبياتيغورسك موجودين بكيانين إداريين مختلفين؛ بس بالنسبة لإنسان العصور الحديثة المبكرة، ما كان في هيك حدود أبداً. وقصة موزدوك بتشبهها: الشي اللي مبين اليوم كأنه جزء طبيعي من أوسيتيا الشمالية، كان بالقرن الثامن عشر بقلب نزاع حاد ع أراضي قبرداي والتقدم العسكري الروسي.
وفي مسألة تانية مهمة هي مضيق داريال. قبرداي كان عندها نفوذ حقيقي ع المداخل الشمالية لطرق المواصلات بالقوقاز الأوسط، وع جزء من المجتمعات اللي كانت تمر بأراضيها الطرق لجورجيا. واللي كان يسيطر ع المداخل السهلية لنهر تيريك، وبياتيغوريه، وطرق السلسلة الجبلية، كان يصير طرف أساسي بالصراع ع المواصلات بين شمال القوقاز وجورجيا. وهاد الشي بالذات اللي خلى القوقاز الأوسط يصير بعدين بهاي الأهمية لروسيا.
2. ليش كان القوقاز كله يحسب حساب لقبرداي؟
قوة قبرداي التاريخية أحياناً بيفسروها بس بشجاعة مقاتليها وشراستهم بالحرب، بس هاد تبسيط زيادة عن اللزوم. الثقافة العسكرية كان إلها وزن هائل، بس كانت جزء من منظومة أكبر بكتير: أراضي سهلية وسفوح جبال خصبة، مراعي واسعة، تربية خيول مشهورة، زراعة، طرق تجارية، عدد سكان كبير بمقاييس القوقاز بهداك الوقت، بنية أرستقراطية متطورة، وقدرة بيوت الأمراء ع إقامة علاقات مع دول أكبر منها بكتير. الأمير الجورجي ورجل الدولة المستقبلي بالإمبراطورية الروسية غريغول أوربيلياني، لما زار القوقاز بسنة 1831، لاحظ ميزة أساسية بهالمنظومة وقال: “بقبرداي، كان الأمير القوي هو اللي يشتهر بشجاعته بالحرب وبكرم ضيافته بالبيت”. وحوالين هيك أمير، كان يتجمع النبلاء والفرسان، اللي شكلوا سنده العسكري والسياسي.
بالتراث التاريخي القبردي، بيرجع أصل نظام الأمراء لشخصية “إينال” بالقرن الخامس عشر، واللي تشكلت حوله مع الوقت ذاكرة نسب وسياسة واسعة. وبالقرون بين السادس عشر والثامن عشر، بنشوف قدامنا عالم موثق أكتر بكتير من بيوت الأمراء والمقاطعات المتنافسة. وبالقرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، بتذكر المصادر ست إقطاعيات أميرية كبرى مرتبطة بعائلات هاتاژوق، وميسوست، وبيكمرزا، وقايتوق، وتالوستان، وجيلاحستان. ولا بيت من هدول كان ملكية بالمعنى الأوروبي: الأمراء اعتمدوا ع طبقة النبلاء (الورق)، والجماعات التابعة، والتحالفات الشخصية، وهيبتهم الخاصة، وكانت القرارات تحتاج مفاوضات مستمرة بين عدة أطراف حاكمة.
وحدة من أبرز الشخصيات بالقرن السادس عشر كانت تمريوق إيدار. بعهده أخد التحالف مع موسكو طابعاً منتظماً: بسنة 1557 طلبت سفارة قبرديّة الدعم العسكري من موسكو ضد خصوم تمريوق والضغوط الخارجية، وبسنة 1561 تثبتت هالعلاقة السياسية بزواج بنته غوتشيني – اللي تسمت بعد المعمودية ماريا تمريوقوفنا – من القيصر إيفان الرابع. مهم كتير نفهم معنى هالمرحلة بعيداً عن الأساطير اللي انحكت بعدين عن “الانضمام الأبدي”، أو بالعكس عن “غلطة الأجداد اللي ما بتتفسر”. تمريوق استغل موسكو كحليف خارجي ببيئة معقدة متعددة الأقطاب، وموسكو استغلت حلفها مع تمريوق لتدعم مصالحها بالقوقاز. وكمان مهم نشير لشي أساسي: العلاقات العسكرية والسياسية والثقافية لشركيسيا (وبالذات قبرداي) مع دوقية ليتوانيا الكبرى والكومنولث البولندي الليتواني شكلت وحدة من ألمع صفحات التفاعل القوقازي الأوروبي. لقرون طويلة، لقت النخب الأرستقراطية بهالدول لغة مشتركة قامت ع أخلاق الفروسية، والثقافة العسكرية، والمواجهة المشتركة ضد الإمبراطوريات التوسعية.
علاقات قبرداي وإسطنبول تطورت كمان بظل مشاركة فاعلة للنبلاء الشراكسة بالمناصب العسكرية والإدارية العليا بالدولة العثمانية. القائد المشهور شركس عثمان باشا (أوزدمير أوغلو) صار صدراً أعظم وقبطان باشا، والأمير القبردي إسكندر بك تولى منصب بيلربك بكافا. هي كانت سياسة، وأمراء قبرداي اشتغلوا فيها بكل عقلانية تناسب عصرهم.
قبرداي كانت قادرة كمان تنزل هزائم قاسية بقوى خارجية كبرى لحالها. وأشهر مثال هو معركة كانجال بسنة 1708، المرتبطة باسم الأمير الأعلى قورغوقو هاتاژوق والمستشار والدبلوماسي والفيلسوف جاباغي قازانوقو، لما قدر شركس قبرداي يسحقوا جيش خانية القرم الغازي. أعداد القوات بتختلف بالمصادر، مشان هيك الأرقام الضخمة لازم ناخدها بحذر، بس واقعة الهزيمة الكبيرة لجيش القرم وأهميتها السياسية ما حدا بيشك فيها. وبعد تلات عقود، كان وضع قبرداي مهم كتير للتوازن الروسي العثماني لدرجة إنو معاهدة بلغراد بسنة 1739 نصت بشكل خاص ع إنو الشعب القبردي “بيكون حر وما بيخضع لسيادة أي من الإمبراطوريتين”. وكان المفروض تلعب قبرداي دور المنطقة العازلة بين الدولتين.
قديش كان عدد سكانها؟ هون لازم نكون حذرين. بالقرنين الخامس عشر والسادس عشر ما في إحصاء رسمي دقيق. وبالنصف الأول من القرن السابع عشر، اقترح الباحث ج. ف. كاغازيجيف تقدير بحوالي 462 ألف نسمة، بناءً ع عدد القرى أو الإقطاعيات المعروفة بالمصادر ومتوسط سكان كل وحدة؛ وهالطريقة لحالها بتبين إنو هالرقم هو تقدير تحليلي مو إحصاء دقيق. الرحالة أوليا تشلبي ذكر بنفس الفترة عشرات آلاف المسلحين بأنحاء مختلفة من قبرداي، بس كمان ما فينا نقرأ أرقامه كإحصاءات تجنيد حديثة. وبالقرن الثامن عشر، الفرق بين تقديرات المؤرخين بضل كبير: ف. ك. غاردانوف قدر سكان النصف الأول من القرن بحوالي 130 لـ 160 ألف، بينما ي. د. نالويفا قدرتهم بـ 250 لـ 300 ألف؛ وبأواخر القرن في تقديرات بين 110 لـ 135 ألف عند ز. أ. كوجيف و300 لـ 350 ألف عند ت. خ. قوميقوف. يعني باختصار، ما عندنا رقم دقيق، بس الحجم كان لا يقارن مع الحجم الديموغرافي الصغير اللي بقي من قبرداي بعد حروب وأوبئة أوائل القرن التاسع عشر.
أما القدرة العسكرية فالصورة أوضح شوي. وثائق القرن الثامن عشر عادة بتعطي قبرداي الكبرى قدرة إنها تنزل ع الميدان حوالي 5 لـ 6 آلاف فارس مقاتل محترف، وقبرداي الصغرى عدة آلاف؛ ومع استنفار المشاة كان ممكن ترتفع القوة العسكرية بشكل ملحوظ. بسنة 1732، ذكر الأمير محمد هاتاژوق حوالي خمسة آلاف فارس لقبرداي الكبرى، ووثيقة بسنة 1739 حكت عن ستة آلاف خيال لقبرداي الكبرى وحوالي تلات آلاف للصغرى. وبالحرب الروسية العثمانية 1787–1791، تقرر جيش الميدان لقبرداي الكبرى بقيادة الأمير الأعلى (بشيشخو) ميسوست هاتاژوق بحوالي خمسة آلاف خيال. بمقاييس القوقاز بهداك العصر، هي كانت قوة ضاربة، خصوصاً مع احترافية الفرسان ومهارتهم العالية وقدرتهم ع الحشد السريع. بالقرنين السابع عشر والثامن عشر، كان فرسان نبلاء قبرداي يعتبروا النموذج المثالي لفنون الفروسية العسكرية بالقوقاز كله. وعلى عكس أغلب المجتمعات المجاورة، جيش قبرداي ما كان مجرد ميليشيا شعبية عفوية، بل كان هيئة احترافية من فرسان إقطاعيين – أمراء (بشي) ونبلاء (ورق)، شكلوا ما كان يسمى “جيش النبلاء” (ورقيدزه).
المسار الديموغرافي اللاحق بيحكي لحاله قصة الانهيار. بالثلاثينيات من القرن التاسع عشر، وبعد الحروب المستمرة، ووباء الطاعون، والهجرات، ما ضل بأراضي قبرداي غير حوالي 30 ألف شركسي. إحصاء سنة 1897 القيصري سجل بناحية نالتشيك إنو 62.9 بالمية من السكان لغتهم الأم هي القبرديّة – بس طبعاً الناحية ما كانت بتطابق حدود قبرداي التاريخية. بالفترة السوفيتية صار في تعافي ديموغرافي ملحوظ: ضمن حدود قبردينو – بلقاريا، بيذكر الباحثين حوالي 122.4 ألف قبردي بسنة 1926، و363.5 ألف بسنة 1989، وحوالي 529 ألف حسب إحصاء سنة 2020. ورا هالأرقام الجافة بيبين حجم المنعطف التاريخي الهائل: من وحدة من أكبر القوى السياسية بالقوقاز الأوسط – مروراً بانهيار كارثي كاد يبيد الشعب – لرجوع شعب معافى بس عم يعيش اليوم ضمن جغرافيا سياسية تانية تماماً.
3. من تأسيس موزدوك لحملات يرمولوف: سقوط قبرداي القديمة
سقوط قبرداي ما بيتفسر بهزيمة وحدة، ولا بطاعون واحد، ولا بغلطة وحدة من الأمراء. كان سلسلة ضربات متتالية امتدت ع عقود. ولمصلحة الدقة التاريخية، لازم نبعد عن النظرة المبسطة اللي بتقول “روسيا كانت دائماً عدو لقبرداي”. بالقرن السادس عشر موسكو كانت حليف مفيد لبعض أمراء قبرداي؛ وبحرب 1735–1739 وقفت قبرداي الكبرى مع الروس؛ والجيش الروسي كان أحياناً يساعد جناح قبردي ضد جناح تاني. بقبرداي نفسها كان في تيارات مع روسيا، وتيارات مع القرم، وتيارات مستقلة، وكانت التوجهات تتغير مع الوقت. وحتى معاهدة بلغراد بسنة 1739 كانت عم تنطلق من الوضع الخاص والمستقل لقبرداي بين الدولتين.
نقطة التحول صارت بالنصف التاني من القرن الثامن عشر، لما السياسة الروسية بطلت تحتاج قبرداي كحليف، وصارت بدها أرضها كمساحة استراتيجية. بسنة 1763، انحط حجر الأساس لقلعة موزدوك ع نهر تيريك. لبطرسبورغ، كانت هي نقطة ارتكاز للتوسع والمواصلات العسكرية؛ ولنسبة كبيرة من نخب قبرداي، كانت بناء لتحصينات غريبة ع أرض ملكهم، وفوق هاد عم تنبنى حواليها مستوطنات جديدة ويهرب لعندها سكان من تحت سلطة الأمراء. بالبداية، تحرك الشراكسة دبلوماسياً. بسنة 1764 راحت سفارة من عندهم للإمبراطورة كاترين الثانية وطالبت بوقف تحصين موزدوك؛ وبالمراسلات أصر الأمراء ع إنو لحد ما تنحل القضية “ما بصير السماح بأي استيطان ولا بناء أي مدينة”. بس بطرسبورغ رفضت.
المرحلة اللي بعدها كانت أقسى بكتير. بالسبعينيات من القرن الثامن عشر، تحول نظام القلاع المتفرقة لخط دفاعي عسكري متصل. بعد الحرب الروسية العثمانية 1768–1774، أخدت روسيا حرية حركة أكبر بكتير بشمال القوقاز، وبسنة 1777–1778 بلشت تثبت بسرعة خط آزوف – موزدوك الدفاعي – فنربطت غيورغييفسك، وألكساندروفسك، وستافروبول، ومواقع تانية، بالحاميات، والطرق، ومستوطنات القوزاق. بالنسبة لشركس قبرداي، المشكلة ما كانت بس وجود جنود روس. الخط الجديد غير الجغرافيا الاقتصادية كلها: عطل استخدام الأراضي الزراعية ومراعي السهوب بسهل ستافروبول – اللي كان القاعدة الاقتصادية الأساسية لقبرداي (قوري غوبغوه، سيتي) –، وقيد حركة الناس، وحط نقاط سيطرة عسكرية دائمة بمناطق كانت السلطة فيها تتحدد بالمفاوضات وموازين القوى المحلية. الإمبراطورية كانت عم تحول الجغرافيا بالتدريج لبنية تحتية عسكرية تابعة إلها.
الرد كان حرب السبعة أشهر بسنة 1778–1779. أمراء ونبلاء قبرداي حاولوا ببطولة يهاجموا التحصينات ويعطلوا استمرار بناء الخط، بس القوات الروسية كانت متفوقة بالمشاة النظامية، والمدفعية، وخطوط الإمداد، والقدرة ع تعويض القوات باستمرار. المرحلة الأخيرة من الحرب بخريف 1779 انتهت بهزيمة قاسية للجيش القبردي ع نهر مالكا؛ والأبحاث بتسجل خسائر فادحة بين طبقة النبلاء والفرسان المقاتلين. بعد الحرب انفرضت غرامات، وأيمان ولاء جديدة، وتقليص أكبر للاستقلالية. كانت هي وحدة من اللحظات اللي قدرت بعدها قبرداي تقاوم، بس توازن القوى القديم ما عاد رجع متل قبل أبداً.
مع هيك المقاومة ما وقفت وما كانت ماشية بخط مستقيم. بسنة 1785، دعم جزء من قبرداي الكبرى والصغرى حركة الشيخ منصور، اللي حاول يعمل تحالف أوسع ضد روسيا يجمع شعوب شمال القوقاز. المشكلة كانت إنو المساحة عم تضيق بسرعة: خانية القرم اختفت كلاعب مستقل، والدولة العثمانية عم تتراجع، وروسيا صارت موجودة فعلياً بقلب جغرافيا القوقاز الأوسط.
وبسنة 1804 رجع شعل تمرد كبير جديد. المواجهة المسلحة للقبرديين قمعتها قوات الجنرال غريغوري غلازيناب بعد اشتباكات دموية بمنطقة تشيغيم ومواقع تانية. وبعدها صار الشي اللي ما كان في أي خيالة بالعالم قادرة توقفه: وباء الطاعون، اللي كان مرعب بشكل خاص بالعقد الأول من القرن التاسع عشر. الحرب كانت مدمرة الزراعة والتنقل وشبكة القرى، واجا الطاعون ليضرب شعب منهك وجوعان. المعاصرين انصدموا من حجم الفاجعة. غريغول أوربيلياني كتب بعدين عن قبرداي كشعب كان بيوم من الأيام “قوي وكثير العدد”، بس هلكته الحرب الطويلة وضربة الوباء.
وبسنة 1810، اجت ضربة عسكرية تقيلة تانية – حملة الجنرال سيرغي بولغاكوف. الدراسات المنشورة بتأكد إنو القوات الروسية دمرت عدد هائل من القرى القبرديّة؛ المؤرخ ب. أ. كوزمينوف بيوثق من الأرشيف تدمير أكتر من مئتي قرية بقبرداي الكبرى لحالها. الحجم الحقيقي لهيك حملات تأديبية ما رح نعرفه بدقة أبداً، بس لنفهم اللي صار الأهم هو هاد: ما كان التدمير عم يطال بس الفرق المقاتلة. كانت تتدمر البيوت، والمؤن، والمواشي، وأسباب استمرار المجتمع وبقائه. وبنفس الوقت طلع جزء من شركس قبرداي لما وراء نهر كوبان أو لعند الشعوب المجاورة، وشكلوا ما انعرف باسم “قبرداي الهاجرت” (أو الهاربة)، اللي ضلت لعقود تشارك بالمقاومة المسلحة بالقسم الغربي من شركيسيا.
المرحلة الكبيرة الأخيرة كانت بين 1818 و1822، وارتبطت بشكل أساسي بالجنرال أليكسي يرمولوف. الاستراتيجية الروسية ما عاد وقفت عند شن الحملات، بل صارت تهدف لإعادة هندسة المساحة كلها ع طريقتها: قلاع جديدة، نقل الخطوط، تقييد الحركة، إنشاء مؤسسات قضائية وإدارية، وضغط شديد ع الأمراء المتمردين. بأيار 1822، وصل يرمولوف شخصياً لعند القوات بقبرداي؛ وبعد العمليات العسكرية تأسست “المحكمة المؤقتة لقبرداي” وبلش يتشكل نظام إداري وقانوني جديد. مع بدايات العشرينيات من القرن التاسع عشر، انكسرت قبرداي القديمة كمنظومة سياسية إقليمية مستقلة، مع إنو المقاومة المسلحة لمجموعات قبرديّة ضلت مستمرة ورا نهر كوبان وتقاطعت بعدين مع حركات القوقاز الأوسع.
لازم نحط قبرداي بمكانها الصح ع خط الحرب الروسية القوقازية. لما بنسمع هاد الاسم، الخيال دغري بياخدنا للإمام شامل، ولدولة الإمامة بالتلاتينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر، أو للمعارك الأخيرة بغرب شركيسيا بالستينيات. بالنسبة لقبرداي، المعركة الأساسية بلشت أبكر بكتير. موزدوك ظهرت بسنة 1763، والانكسار الكبير بسنة 1779 صار قبل ما يولد الإمام شامل أصلاً، وبوقت ازدهار إمامة شمال القوقاز، كانت قبرداي قد أكلت أصعب الضربات العسكرية والديموغرافية. مشان هيك، بتاريخ الشراكسة، سنة 1763 بتنعطى كتير كبداية للصراع الروسي الشركسي، مع إنو المراجع الروسية بتعتمد تواريخ تانية لتحقيب الحرب. بكل الأحوال المعنى التاريخي واضح: قبرداي كانت وحدة من أوائل الجبهات بهالمسار الطويل اللي رجع بعدين وبلع شمال القوقاز كله تقريباً.
هل كان بإمكانها تتجنب الهزيمة؟ بشكل كامل – صعب كتير. الفارق بالإمكانيات بين قبرداي وبين إمبراطورية مركزية ضخمة صار مع الوقت كبير لدرجة مستحيل ردمها.
4. الخسارة الأكبر – مو الأرض، بل الترابط
الناس عادة بتفهم الكارثة المكانية بطريقة حرفية: شعب كان عايش ع أرض معينة، وبعدين خسر قسم منها. بحالة قبرداي، هاد الفهم ما بيكفي. اللي تدمر وتخرب هو الآلية الحيوية اللي كانت تربط أجزاء المساحة ببعضها: الطرق، المراعي، التحالفات السياسية، شبكات الأمراء، المسارات الاقتصادية، وحرية التنقل بين السهول وسفوح الجبال والمجتمعات المجاورة. أوربيلياني، اللي شاف قبرداي بعد ما انكسرت، لاحظ: “كانوا زمان أغنياء بقطعان الخيل” – وبوقته كانت سنين الحرب الطويلة قد استنزفت هالأساس المادي كمان.
بالترابط نحنا ما بنقصد بس إنو الأراضي تكون جنب بعضها ع الخريطة، بل وجود صلات إنسانية، واقتصادية، وثقافية، وإعلامية، واجتماعية قوية ومستمرة. لما الناس بتتنقل بحرية، وبتتعلم من بعض، وبتفتح مصالح مشتركة، وبتحافظ ع صلات القرابة والعمل، وبتعرف تاريخ المناطق اللي جنبها وبتشوفها أجزاء من وطن واحد، بصير الشعب أصلب وأقوى. ولما تنقطع هالصلات، حتى الأراضي القريبة من بعض بتصير بالتدريج تعيش كأنها عوالم معزولة.
وبعدين هالتفكك صار إداري. بياتيغوريه صارت تعيش لحالها، وموزدوك لحالها، وقبرداي الصغرى فاتت بأطر إدارية تانية، وإجا النظام الإقليمي القومي بالفترة السوفيتية وثبت خريطة مختلفة تماماً للقوقاز الأوسط. مرقت كم جيل – وتحولت الحدود الإدارية لحاجز نفسي. صارت نالتشيك تنشاف منفصلة عن تشيركيسك، وتشيركيسك عن بياتيغوريه، وبياتيغوريه عن قبرداي، وموزدوك صارت تعتبر بس جزء من التاريخ الأوسيتي والروسي. وهيك صار عندنا مو بس تفكك جغرافي، بل تفكك بالوعي والذاكرة كمان.
وهاد بالذات السبب اللي بيخلينا ما نطرح مسألة إرث قبرداي بصيغة “شو هي الأراضي اللي لازم نرجعها”. السؤال الأهم بكتير هو: كيف بنرجع الترابط؟ الخريطة التاريخية ما بصير نعتبرها مخطط عقاري لمطالبات حدودية، بس بنفس الوقت الخريطة الإدارية الحالية مالها أي حق تملي علينا شو مسموح نتذكر وشو ممنوع. بياتيغوريه ممكن تكون اليوم إقليم روسي متعدد القوميات وبنفس الوقت تكون جزء أصيل من الذاكرة التاريخية لقبرداي. وموزدوك ممكن تكون جزء من تاريخ أوسيتيا الشمالية – وبنفس اللحظة تكون وحدة من أهم ساحات المواجهة الروسية القبرديّة بالقرن الثامن عشر. ما في شي بيلغي التاني. واسترجاع هالمعرفة التاريخية ممكن جداً اليوم، بدون ما نقعد ننطر أي تغيير بالحدود أو بالأنظمة السياسية.
5. نالتشيك وتشيركيسك: جزأين لمساحة وحدة
ع الخريطة المعاصرة، المركز الديموغرافي والمؤسساتي الأساسي لشركس الشرق هو قبردينو – بلقاريا. بس شركس قبردينو وشركس قراتشاي – تشيركيسيا مو مفصولين بأي هوة عرقية: هدول أجزاء من الكتلة الأديغية الشرقية، وبيستخدموا نفس اللغة الشركسية الموحدة، واللي إلها صفة رسمية بالجمهوريتين. وأوضح دليل ع إنو هالتقسيم الإداري مصطنع هو تاريخ قبيلة البسلني. يوليوس كلابروث كتب ببدايات القرن التاسع عشر: “البسلني والشركس بينتموا لنفس القبيلة”، وأكد ع صلة القرابة بين عائلات أمرائهم وأمراء قبرداي.
بس الحسابات السياسية المعاصرة بالجمهوريتين بتختلف كلياً. بقبردينو – بلقاريا، الشركس بيشكلوا أغلبية السكان؛ أما بقراتشاي – تشيركيسيا، فالشركس أقلية، والكتلة السكانية الأكبر هي القراتشاي، وفي كمان وجود وازن للروس والأبازا والنوغاي. وبحسب إحصاء سنة 2020، نسبة القراتشاي كانت حوالي 44 بالمية، بينما الشركس حوالي تمن السكان بس. مشان هيك، مستحيل نسخ النموذج السياسي لـ قبردينو – بلقاريا وتطبيقه بقراتشاي – تشيركيسيا. هنيك، أي مشروع شركسي طويل الأمد بيحتاج مو بس تنظيم داخلي، بل بيحتاج تحالفات، وقدرة ع التفاوض، وإقناع الشعوب التانية بإنو نهضة الثقافة والمجتمع الشركسي ما بتعني أبداً إضعاف حدا منهم.
مشان هيك، ما بصير نعتبر قراتشاي – تشيركيسيا مجرد ملحق صغير للجمهورية الشركسية “الرئيسية”. هي العقدة الاستراتيجية التانية للوجود الأديغي الشرقي بالقوقاز الأوسط – أضعف ديموغرافياً، بس بالغة الأهمية استراتيجياً. إذا ضل شركس قراتشاي – تشيركيسيا معزولين عن المحيط الشركسي الأكبر بقبردينو – بلقاريا، رح تتحول الحدود الإدارية مع الوقت لحدود حضارية حقيقية. أما إذا نشأت بين نالتشيك وتشيركيسك والقرى الشركسية حركة ثقافية، وفكرية، وتعليمية، واقتصادية حية، فالجمهوريتين رح يضلوا منفصلين سياسياً بس ما رح يعودوا عوالم غريبة عن بعض. وبرأينا، هي هي الخطوة الطبيعية الأولى لترميم الترابط الشركسي بالقوقاز الأوسط.
6. التوحيد ما ببلش من الخريطة
من صلة القرابة التاريخية، سهل كتير الواحد يفكر بدمج إداري بين قبردينو – بلقاريا وقراتشاي – تشيركيسيا. فكرة إلها منطق مفهوم: مساحة أوسع، مركزين مدنيين، اقتصاد أكبر، واسترجاع جزء من الترابط الشركسي الشرقي. بس بين المنطق التاريخي والإمكانية السياسية الواقعية في مسافة هائلة.
جمهورية قراتشاي – تشيركيسيا مو موجودة بس للشركس. بالنسبة للقراتشاي، هي الشكل الأساسي لكيانهم القومي؛ وفي مصالح ومخاوف تاريخية مشروعة عند الأبازا، والنوغاي، والروس. إذا الشركس شايفين بالاندماج خير تاريخي بديهي، جيراننا ممكن يشوفوا بنفس المشروع تغيير بالموازين الديموغرافية والسياسية ع حسابهم. وإنك تقوللهم “ما في شي بيخوف” ما بكفي أبداً. مخاوف الشعوب التانية هي واقع سياسي ملموس متل مخاوفنا تماماً.
لهيك الأجدى نغير طريقة طرح السؤال. مو “أيمتى رح ندمج قبردينو وقراتشاي؟”، بل: هل بنقدر بالأول نخلق فضاء تبطل فيه الحدود تقطع أوصال الحياة الاجتماعية الشركسية؟ تاريخ قبرداي نفسه بيعلمنا أمثلة كيف كانت كتل الأمراء المتنافسة تتفق “ما يشتغل حدا فينا بدون التاني”. ما في داعي ننسخ أشكال القرن الثامن عشر السياسية، بس المبدأ واضح: كثافة العلاقات الأفقية بتصنع قوة سياسية حقيقية قبل وقت طويل من القدرة ع تغيير المؤسسات.
اليوم، الدمج الإداري للجمهوريتين مو هدف عملي مطروح، بس هاد أبداً ما بيعني تأجيل فكرة الفضاء الأديغي المترابط لمستقبل مجهول. بالعكس، إذا تغيرت الهندسة السياسية لشمال القوقاز بيوم من الأيام، فالعامل الحاسم ما رح يكون الخرايط القديمة اللي راسمينها المتحمسين، بل العلاقات الفعلية الحية القائمة بهداك الوقت بين الناس، والمؤسسات، والمدن، والنخب. بوابات الفرص التاريخية بتنفتح فجأة. واللي بيستفيد منها هو اللي بيوصل للحظة التغيير وهو مترابط، ومنظم، وعنده قدرة ع التفاهم مع غيره.
7. الاستراتيجية الشركسية ومصالح الشعوب المجاورة
تاريخ القوقاز الأوسط ما بيسمح ببناء أي استراتيجية جادة وكأنه ما في جنب الشركس شعوب تانية إلها ذاكرتها ومصالحها وكيانها السياسي. شركس قبردينو، والبلقار، والقراتشاي، وشركس قراتشاي – تشيركيسيا، والأبازا، والنوغاي، والأوسيت، والإنغوش، والروس، عاشوا سوا لقرون بتفاعل مستمر: تحالفات وبعدها صراعات، تبعية وبعدها تحرر، فترات يقوى فيها شعب وفترات يقوى فيها التاني. أوربيلياني، لما نقل تصورات وقته عن قبرداي القديمة، حكى عن تبعية قسم من مجتمعات الأوسيت، والإنغوش، والأبازا، والبسلني لأمراء قبرداي. هي الشهادات لازم نعرفها، بس تحويل علاقات القرن الثامن عشر لمطالب سياسية بالقرن الواحد والعشرين رح يكون غلط كارثي متل مسحها من كتب التاريخ تماماً.
عشان هيك، العلاقات مع القراتشاي والبلقار هي وحدة من أهم دلائل نضج السياسة الشركسية اليوم. فينا نعترف بالحجم التاريخي لقبرداي، وبنفس الوقت نعترف بحقوق البلقار والقراتشاي وذاكرتهم ومصالحهم. وبنفس الطريقة، الاعتراف بالكيان الحالي للقراتشاي أو البلقار ما بيطلب من الشركس ينسوا قبرداي، ولا بياتيغوريه، ولا التاريخ الشركسي لأراضي جمهورية قراتشاي – تشيركيسيا الحالية.
برأينا، الأساس هون لازم يكون الاعتراف المتبادل بالواقع التاريخي لبعضنا، والبحث عن المصالح اللي بتكون فيها نهضة شعب ما بتعني إضعاف الشعب التاني. بالقوقاز الأوسط، وين الكل مرتبطين ببعض بالأرض، والاقتصاد، والمحيط السياسي، هاد مو مظهر ضعف، بل هو الشرط الوحيد للاستقرار ع المدى الطويل.
8. تعديلات دستور قبردينو – بلقاريا: ليش إضعاف الكيان الدستوري بيضر الشركس والبلقار سوا؟
بهالسياق، بصير الجدل حول دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا مهم بشكل خاص. بحزيران 2026، درس برلمان الجمهورية اعتراض النيابة العامة ع عدة بنود بالدستور، وشكل لجنة عمل لتحضير التعديلات. ومن بين البنود الخلافية كانت فقرات بتتعلق بسلامة الأراضي، وطبيعة الدولة للجمهورية، وصفة رئيسها. مع العلم إنو النص الحالي للدستور المتاح ع البوابة الرسمية للمعلومات القانونية لسا بيحتوي الصيغة: “سلامة وحرمة أراضي جمهورية قبردينو – بلقاريا مضمونة”.
في ناس ممكن تشوف اللي عم يصير مجرد إجراء تقني لتطابق القوانين الإقليمية مع القوانين الفيدرالية. بالقانون، هيك عم تتقدم المسألة. بس المؤسسات السياسية مو بس صلاحيات تنفيذية ع الأرض؛ هي كمان بتعبر عن نظرة المجتمع لحاله ومكانته. الجمهورية القومية مو مجرد محافظة عادية عطوها دستور بالصدفة. تأسست قبردينو – بلقاريا كشكل للمأسسة القومية الإقليمية لشعبي الشركس والبلقار بالأساس ضمن دولة أكبر.
نحنا كنا طرحنا هالموضوع بمادة مستقلة لمركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمنظمة “خابزة”، حللنا فيها النتائج المحتملة لمراجعة هالبنود بدستور الجمهورية، وعبرنا عن قلقنا من الاستمرار بإضعاف الكيان الدستوري للجمهورية. بالنسبة إلنا، هاد مو نقاش قانوني نظري، بل هو سؤال عن مدى صلابة الإطار المؤسساتي اللي بيحمي الوجود والكيان القومي للشركس والبلقار.
وهون بتظهر نقطة التقاء مصالح حاسمة. إضعاف كيان الجمهورية بيقلل الوزن المؤسساتي مو بس للشركس، لأن الكيان السياسي للبلقار عايش بنفس هالإطار الدستوري كمان. مشان هيك، بنشوف إنو من الحكمة ما نتعامل مع الدفاع عن صلاحيات قبردينو – بلقاريا ووضعها الخاص كأنه مشروع “الشركس عم يدافعوا عن قبرداي بوجه الكل”، بل كمصلحة مشتركة للشعبين الأصيلين ولكل سكان الجمهورية. والقدرة ع صياغة المشكلة بهالطريقة هي بالذات اللي بتميز الاستراتيجية الوطنية عن التحريض العرقي الضيق بكل مناسبة.
9. شو بيعلمنا ماضي قبرداي عن مستقبلنا؟
قبرداي التاريخية ما تركتلنا برنامج سياسي جاهز. وأي محاولة لنقل نظام مجتمع الأمراء بالقرن الثامن عشر للحاضر رح تكون مسخرة. بس هي تركتلنا شي أفيد بكتير – تركتلنا كم سؤال بيخلونا نشوف وضعنا اليوم بطريقة مختلفة كلياً.
السؤال الأول بيتعلق بالجغرافيا والمكان. نحنا بسرعة بنحصر تفكيرنا بحدود قبردينو – بلقاريا، كأنه تاريخ شركس قبرداي كان محبوس جوات حدود هالجمهورية الحديثة. بس قبرداي نفسها بتذكرنا إنو القوقاز الأوسط هو منظومة مناطق متداخلة. نالتشيك صعب تنفهم بدون بياتيغوريه وطرق الشمال؛ وبياتيغوريه ما بتنفهم بدون تاريخ قبرداي؛ وموزدوك ما بتنفهم بدون الصراع ع نهر تيريك؛ وقبردينو – بلقاريا ما بتنفصل عن قراتشاي – تشيركيسيا؛ والقوقاز الأوسط ما بينفهم بدون الطرق اللي بتعبر السلسلة الجبلية الرئيسية.
السؤال الثاني هو الترابط. قوة قبرداي التاريخية ما كانت بس لأنها ممتدة ع أرض واسعة، بل لأنها كانت تربط مساحات مختلفة: السهوب بالجبال، الغرب بالشرق، والمجتمعات المحلية بالدول العظمى. وهون في درس معاصر جداً. بالقرن الواحد والعشرين، النفوذ مو بالضرورة يعني ملكية إدارية وحدود رسمية. المنطقة ممكن تكون برا جمهوريتك، بس تضل جزء من ذاكرتك التاريخية، واهتمامك العلمي، وعلاقاتك الاقتصادية، ووجودك الاجتماعي. ما في داعي نغير حدود إقليم ستافروبول لحتى تبطل بياتيغوريه نقطة بيضا ومنسية بالوعي الشركسي.
السؤال الثالث هو المقياس والحجم. مستقبل الشركس ما بصير نختصره بس بجمهورية قبردينو – بلقاريا، وبنفس الوقت معالجة كل قضية عملية ع مقياس شركيسيا العالمية كلها كمان مو منطقي دائماً. في كمان القوقاز الأوسط – الفضاء اللي عايشين فيه الشركس جنب الشعوب التانية، وين موجودة قبردينو – بلقاريا، وقراتشاي – تشيركيسيا، وبياتيغوريه (إقليم ستافروبول)، والمناطق المجاورة، ووين بتتقرر معظم مصالحنا اليومية والاستراتيجية. رح نرجع بالتفصيل للموقع الاستراتيجي للشركس بالقوقاز عموماً – ميزات ونقاط ضعف جغرافيتنا، علاقاتنا مع الجيران، وموقعنا بين غرب المنطقة ووسطها والدور المحتمل للعامل الشركسي – بمقال مستقل جاي بهالسلسلة. بس بيكفي نأكد هون: قبرداي التاريخية بتخلينا نشوف هالمستوى الإقليمي بوضوح أكبر بكتير.
10. شو يعني نرجع الترابط بشكل عملي؟
إذا شلنا الكلام العام المكرر عن اللغة، والشباب، والبزنس، والشتات، والفلكلور، اللي انحكى عنه كتير بالمقالات الماضية، بضل عندنا كم مهمة ملموسة نابعة تماماً من الواقع الشركسي والقوقازي الأوسط.
المهمة الأولى – استرجاع الخريطة التاريخية كنظام بيانات تحليلي، مو كبوستر وشعارات عالحيط. بسنة 1744، عمل المساح الروسي ستيبان تشيتشاغوف “جدول قرى ومواقع قبرداي الكبرى والصغرى”. اليوم بنقدر نعمل شي أكبر بكتير بمساعدة التكنولوجيا: أطلس تاريخي رقمي بخرايط متعددة الطبقات بتغطي القرون 15 و16 و17 و18 و19، بتوثق القرى، وإقطاعيات الأمراء، وأسماء المواقع، والمراعي، والطرق، والقلاع، وساحات المعارك، وحركات الهجرة والتغيرات السكانية. وفوق هاد، جنب كل نقطة خلافية ينذكر بوضوح: شو هو المؤكد تاريخياً، وشو هو التقدير والتحليل، ووين في آراء أكاديمية تانية. هيك خريطة بتفرض احترامها لأنها بتصمد قدام أي مؤرخ محترف.
المهمة الثانية – دراسة محور نالتشيك – تشيركيسك كمنظومة مستقلة. مو مجرد نعمل مهرجان فولكلور تاني عن الصداقة، بل نعمل جرد حقيقي للروابط: شو هي المؤسسات اللي عم تتعاون بين المدينتين؛ قديش الجامعات والأوساط الفكرية عم تتلاقى؛ وين العوائق الإدارية عم توقف بوجه الناس؛ شو العائلات، والتجار، والشبكات الأهلية اللي عم تربط المنطقتين فعلياً؛ شو المؤسسات المكررة ع الفاضي؛ وين شركس قراتشاي – تشيركيسيا عم يعانوا من نقص بالوصول للبيئة الثقافية والتعليمية الشركسية الأكبر بقبرداي؟ يعني بالأول نفهم الكثافة الحقيقية للروابط، وبعدين نشتغل ع تقوية النقاط الضعيفة.
المهمة الثالثة – إعادة التفكير بمنطقة بياتيغوريه، وإقليم ستافروبول، وموزدوك كفضاءات ذاكرة متعددة الطبقات. لازم نشتغل بحيث يصير مستحيل شطب الحضور الشركسي من تاريخ هالأماكن. دراسات، مسارات سياحية تاريخية، أفلام وثائقية، مشاريع أرشيفية، إعادة الأسماء الجغرافية القديمة للبحث العلمي، خرايط القرى الشركسية، وتاريخ خط موزدوك – كل هاد بيرجع حضور الشعب بذاكرة المكان بدون أي تصادم مع السكان الحاليين. وهي مهمة فينا نبلش نشتغل عليها من هلق.
والمهمة الرابعة اللي إلها أهمية خاصة ومستعجلة اليوم: تحويل قضية الكيان الدستوري لقبردينو – بلقاريا لقضية مشتركة للشركس والبلقار سوا. إذا كان أي نقاش عن مكانة الجمهورية بيتحول تلقائياً لكلام بيحكوه بس النشطاء القوميين الشركس، فالقاعدة السياسية لهيك مشروع رح تضل ضعيفة ومحصورة. أما إذا قدرنا نفرجي إنو الحفاظ ع مؤسسات جمهورية قوية بيحمي مصالح الشعبين الأساسيين، وقتها بتتشكل جبهة صلبة ومستقرة بكتير. وهاد بالذات المثال اللي بكون فيه تاريخ قبرداي مفيد إلنا، مو كقائمة شكاوى وبكائيات، بل كدرس حقيقي بسياسة التحالفات.
11. الدرس الأكبر من قبرداي
قبرداي التاريخية مو مهمة إلنا مشان نرجع نبعث القرن الثامن عشر من جديد. ولا مشان كل ما رسمنا حدودها أوسع ع الخريطة القديمة، بنفكر إنو الشعب الشركسي اليوم بصير أقوى. معناها أعمق بكتير من هيك. قبرداي بتفرجينا إنو الشركس بيوم من الأيام ما كانوا مجرد أطراف مهمشة بالقوقاز محشورة بين مراكز القوى، بل كانوا أصحاب قرار وسيادة بقلب سياسة المنطقة: دول تحالفت معهم، ودول حشدت جيوش لتواجههم، وموسكو، ووارسو، وطهران، وبخش سراي، وإسطنبول كانت تحسب حساب لموقفهم، والشعوب المجاورة كانت تبني سياستها ع أساس وزن قبرداي وقوتها. مو لازم نبالغ بهالشي، بس بكفي ما ننساه.
بس بنفس الوقت، بتاريخ قبرداي في تحذير كبير. السمعة العسكرية ما حمتها قدام عدو منظم ومنهجي. والشجاعة ما عوضت الخسائر الديموغرافية والعددية. وعائلات الأمراء النبيلة ما قدرت تبني دولة مركزية وحدة. وسياسة المناورة بين الدول العظمى نفعت بس لما كان في كذا دولة كبرى عم تتنافس، وما كانت وحدة فيهم قادرة تسيطر ع القوقاز الأوسط لحالها. بس لما صارت روسيا قادرة تحول القلعة لخط عسكري، والخط لطريق، والطريق لمستوطنة، والمستوطنة لإدارة استعمارية، بلشت المنظومة الإقطاعية القديمة بقبرداي تخسر قدام البنية التحتية. وبعدين اجت الحرب، والطاعون، والتهجير، والتفتيت الإداري.
ومع كل هاد، قبرداي ما اختفت. بعد الكارثة الديموغرافية بالقرن التاسع عشر، رجع شركس قبرداي رمموا عددهم؛ وبعد زوال نظام الأمراء القديم حافظوا ع لغتهم وذاكرتهم واسمهم؛ وبعد كل تقسيمات الخرايط رجعت ظهرت قبرداي بالقرن العشرين كحكم ذاتي، وبعدين كجمهورية. وبالنسبة لشعبنا، هالصمود بحد ذاته إنجاز مو قليل أبداً.
عشان هيك السؤال اليوم مو: “كيف بنرجع قبرداي اللي ضاعت؟”
السؤال بنسمعه بطريقة تانية: كيف بنرجع ترابط الشعب وترابط الأرض، بدون ما نحاول نرجع عجلة التاريخ لورا؟
قبرداي التاريخية كانت قوية لأنها كانت بنقطة التقاء طرق المواصلات بالقوقاز وعرفت كيف تحول الجغرافيا لوزن وقيمة سياسية. وبرأينا، هون بالذات موجود الدرس الأهم لإلنا. الذاكرة عن قبرداي لازم ما تضل بس نوح ع مجد قديم ضاع وهزيمة صارت. هي ممكن تصير منبع لنظرة أوسع لوضعنا اليوم، وقدرة لنرجع نشوف القوقاز الأوسط كمساحة مترابطة، ونفهم وين فعلاً بتمر إمكانياتنا وفرصنا الحقيقية.
مستقبل شركس القوقاز الأوسط ما رح يعتمد ع قديش حدود قديمة بنقدر نتذكر، بل رح يعتمد ع قديش صلات انقطعت بنقدر نرممها ونرجعها – وقديش صلات جديدة بنقدر نبنيها.
أديغة لـَـبـْـقـِـر بسـَـوْش!
مركز الدراسات الاستراتيجية للمنظمة الاجتماعية والسياسية الشركسية “خابزة”.