دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا والعالم الشركسي: لماذا لا يمكننا الصمت

مستقبل قبردينو – بلقاريا تحت التهديد.
دون مبالغة، تعد جمهورية قبردينو – بلقاريا وحدة إدارية وحكومية رئيسية من بين الوحدات التي تأسست على أراضي شركيسيا التاريخية، وذلك في المقام الأول لأنها تضم التجمع الأكبر والأكثر تنظيماً سياسياً للمواطنين الشراكسة في شمال القوقاز: حيث يشكل شراكسة قبردين (القبارداي) أغلبية سكان الجمهورية، وتظل نالتشيك أحد المراكز الثقافية والتعليمية والاجتماعية والسياسية الرئيسية في العالم الشركسي، وتتمتع الجمهورية نفسها بمؤسسات إدارية وحكومية كاملة – من دستور وبرلمان وحكومة ولغات رسمية ورموز ونظام تمثيل وطني وثقافي. وعلى عكس جمهورية أديغيا، حيث يمثل الشراكسة أقلية، وجمهورية قره تشاي – شركيسيا، حيث يندمج العامل الشركسي في توازن متعدد القوميات أكثر تعقيداً، تظل قبردينو – بلقاريا هي الإقليم الذي تترابط فيه الذاكرة التاريخية الشركسية والديموغرافيا واللغة والوضع السياسي والشكل الإداري بشكل وثيق؛ ولذلك فإن أي ضربة لوضعها الدستوري تنعكس حتماً ليس فقط كقضية قانونية داخلية للجمهورية، بل كمسألة تمس مستقبل العالم الشركسي بأكمله.
لهذا السبب بالذات، أثار خبر بدء عملية إدخال تعديلات على دستور الجمهورية قلقاً بالغاً. ورغم أن الحديث يدور رسمياً حول مواءمة بعض الأحكام مع التشريع الفيدرالي، إلا أن القضية في جوهرها أكثر خطورة بكثير: ماذا يتبقى من الوضع الدستوري للجمهورية، ومن كينونتها التاريخية، ومن اللغة القانونية التي يمكن لقبردينو – بلقاريا من خلالها حماية نفسها وأراضيها ونظامها الداخلي وحقوق شعوبها؟
لذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن يطرح هكذا: «كيف يمكن مواءمة دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا تقنياً مع المعايير الفيدرالية؟» بل إن السؤال الصحيح يكمن في جانب آخر: من قرر، وعلى أي أساس، أن الجمهورية يجب أن تُحرم بصمت من الصيغ القانونية التي جسدت لعقود سلامة أراضيها وكيانها السياسي وسيادتها الداخلية؟
إذا أردنا التوضيح بلغة بسيطة، فإنهم يريدون إزالة عدة ركائز فكرية وقانونية مهمة من دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا: أولاً، البند الذي ينص على ضمان سلامة وحرمة أراضي جمهورية قبردينو – بلقاريا – أي الصيغة الدستورية للجمهورية التي تثبت الأهمية الخاصة للحفاظ على أراضي الجمهورية؛ ثانياً، البند المتعلق بالحفاظ على الكيان السياسي لجمهورية قبردينو – بلقاريا كأهم وظيفة للدولة، مما يمس فكرة الجمهورية ككيان تاريخي وسياسي خاص داخل الاتحاد الروسي، وليس مجرد وحدة إدارية؛ ثالثاً، الصيغة التي تصف رئيس جمهورية قبردينو – بلقاريا بأنه «رئيس الدولة والسلطة التنفيذية»، مما يعكس التوجه نحو إخضاع وضع الجمهورية للنموذج الفيدرالي العام، حيث يُنظر إلى رئيس المنطقة في المقام الأول كأعلى مسؤول في وحدة إدارية تابعة للاتحاد الروسي؛ ورابعاً، الأحكام المتعلقة بدور رئيس جمهورية قبردينو – بلقاريا في حماية الكيان السياسي للجمهورية وسلامة أراضيها وأمنها، بما في ذلك ما ورد في نص قسمه الدستوري.
إن موقفنا في هذه المسألة واضح تماماً: لا يجب المساس بدستور جمهورية قبردينو – بلقاريا. ويجب أن تظل هذه الأحكام في صيغتها الحالية، لأنها ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي جزء من الأساس السياسي والقانوني للجمهورية. وإذا كانت السلطات ترى أن هذه المسألة مهمة لدرجة الاستعداد لتغيير مواد أساسية في القانون الأساسي، فلا يمكن حلها إلا من خلال التعبير المباشر عن إرادة الشعب – أي عبر الاستفتاء المباشر.
لقد قام مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للمنظمة الأهلية «خَبْزِي» (Khabze) بتحليل هذه المبادرة من جانب السلطات الروسية. ونقدم اليوم تقريراً موجزاً عن رد فعل الرأي العام، ونطرح رؤيتنا، ونقترح سلسلة من التوصيات لتسوية الخلافات الناشئة في إطار قانوني وحضاري.
الجدول الزمني للأحداث حتى الآن
وفقاً للمعلومات المنشورة رسمياً، وافق برلمان جمهورية قبردينو – بلقاريا في 2 يونيو من العام الجاري على احتجاج المدعي العام نيكولاي خاباروف بشأن أحكام دستور الجمهورية المتعلقة بضمانات سلامة وحرمة أراضي الجمهورية، والحفاظ على كيانها السياسي كأهم وظيفة للدولة، ووضع رئيس الجمهورية كرئيس للدولة، بالإضافة إلى صلاحيات الرئيس في ضمان سلامة الأراضي وأمن الجمهورية. ويجري تشكيل مجموعة عمل لإعداد التعديلات.
ووفقاً لمدعي عام الجمهورية نيكولاي خاباروف، فإن مسألة ضرورة تعديل دستور الجمهورية لم تُطرح فجأة: فقد أُرسلت معلومات بهذا الشأن سابقاً إلى رئيس الجمهورية، وفي 23 مارس 2026 تم تقديم احتجاج المدعي العام رسمياً إلى البرلمان.
وفي 10 يونيو، أصدرت مجموعة من الشخصيات العامة – من بينهم ماركس شاخمورزوف، وحكيم كوتشميزوف، وفاليري خاتاغوكوف، وموزاريب بجاخوف، وإسميل ميشيف، وزاوربيك كوجيف، وزاودين توكوف، ومحمد بيرخاموف، وعظمت شورمانوف، وعليم بشيبييف وآخرون – بياناً جماعياً موجهاً إلى رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان. ووصفوا القرار بأنه خاطئ وخطير، مؤكدين أن دستور الاتحاد الروسي نفسه يعترف بالجمهورية كـ «دولة»، حيث تنص المادة 5 على أن: «الجمهورية (الدولة) لها دستورها وتشريعاتها الخاصة».
بالإضافة إلى ذلك، تضامن العديد من الناشطين الشراكسة والمواطنين العاديين وعبّروا علناً عن دفاعهم عن دستور الجمهورية. وسيتم التطرق إلى دور الشتات الشركسي بالتفصيل أدناه. كما شهدت شبكات التواصل الاجتماعي موجة من المناقشات حول هذه التعديلات، وكان موقف السكان تجاهها سلبياً بشكل واضح.
نود أن نعرب عن خالص امتناننا لجميع المنظمات والشخصيات العامة والناشطين والأفراد – سواء في الوطن أو في الشتات – الذين تضامنوا بالفعل للدفاع عن الضمانات الدستورية لجمهورية قبردينو – بلقاريا ومصالحنا الوطنية.
لماذا يحمل ما يحدث أهمية بالغة كهذه؟
لأن الأمر في الحقيقة ليس تعديلاً تقنياً أو «تفصيلاً قانونياً صغيراً». إن جوهر الحدث أعمق بكثير: يجري تفريغ دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا من الصيغ التي نشأت عن نموذج الفيدرالية التعاقدية لعام 1992 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، والتي ثبتت الجمهورية ليس مجرد وحدة إدارية، بل ككيان ذي خصوصية تاريخية وسياسية داخل الاتحاد الروسي. وينظر الادعاء العام والمنطق القانوني الفيدرالي إلى هذه المعايير كتجاوز لصلاحيات الوحدة الفيدرالية، بينما تنظر الشخصيات العامة والعديد من سكان الجمهورية إليها باعتبارها «الدرع» الرمزي والقانوني الأخير للجمهورية.
في السياسة والقانون، المصطلحات ليست كلمات جوفاء. والدستور ليس مجرد وثيقة قانونية, بل هو أيضاً خريطة للمفاهيم والمعاني: من نحن، وما هو وضعنا، وما هي ضماناتنا، وما الذي يُعتبر مقبولاً، وما الذي يتطلب حذراً شديداً.
نعم، إن جمهورية قبردينو – بلقاريا ليست دولة مستقلة، بل هي وحدة تابعة للاتحاد الروسي. هذا أمر بديهي، ولا أحد من الشخصيات العامة المسؤولة، ولا سيما من ممثلي الحركة الوطنية الشركسية، يستبدل هذه القضية بشعارات جوفاء أو خطاب خطير. ولكن هناك حقيقة أخرى لا تقل وضوحاً: الجمهورية داخل الاتحاد الروسي ليست مجرد مقاطعة (أوبلاست) وليست مجرد إقليم إداري عابر. فدستور الاتحاد الروسي ينص صراحة على أن: «الجمهورية (الدولة) لها دستورها وتشريعاتها الخاصة».
وبالتالي، وعلى الرغم من أن جمهورية قبردينو – بلقاريا لا تملك سيادة خارجية ولا يمكنها العمل كدولة مستقلة على الساحة الدولية، إلا أنها تتمتع داخل النظام الفيدرالي بوضع دستوري خاص، وشكل تاريخي وقانوني فريد، بالإضافة إلى نظام الرموز والمؤسسات والضمانات الخاص بها. ولهذا السبب، لا يمكن اختصار المسألة في إمكانية حذف بضعة أسطر تقنياً من دستور الجمهورية. بل السؤال هو ماذا نحذف تحديداً، وأي واقع سياسي وقانوني سنخلقه بعد ذلك؟
وإذا اختفت من القانون الأساسي للجمهورية الكلمات المتعلقة بسلامة الأراضي، والكيان السياسي، ومسؤولية السلطة العليا عن السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، يحق للشراكسة، وللمجتمع ككل، أن يتساءلوا: لماذا يتم ذلك؟ وما هي التداعيات التي ستترتب عليه؟ وما هي الضمانات التي ستُقدم بدلاً منها؟ ولماذا تُحل قضية بهذه الأهمية دون نقاش عام واسع وهادئ؟
بالنسبة للأديغة (الشراكسة)، الذين عانوا من حرب مدمرة، وإبادة جماعية، وتهجير لغالبية الناجين من أراضيهم التاريخية، فإن هذه الأسئلة تبدو حادة ومقلقة بشكل خاص.
لقد تغير التشريع الروسي بالفعل على مدى العقود الماضية. فالنموذج الفيدرالي الذي كان قائماً في أوائل التسعينيات، عندما كانت الجمهوريات تتمتع بوضع تعاقدي وسياسي أكثر وضوحاً، تم استبداله تدريجياً بنموذج الهرم الرأسي الموحد للسلطة العامة. ومن وجهة النظر هذه، قد يُنظر إلى الصيغ القديمة في دساتير الجمهوريات على أنها من مخلفات حقبة مضت.
ولكن هنا يطرح السؤال الأهم نفسه: هل يعني ذلك أن على الجمهورية التخلي تماماً عن لغتها الدستورية الخاصة بالدفاع؟ هل يجب على قبردينو – بلقاريا التوقف عن التحدث عن سلامة أراضيها لمجرد أن سلامة الاتحاد الروسي محمية على المستوى الفيدرالي؟ نحن لا نرى ذلك، ولا يوجد في التشريع الروسي ما يشير إلى هذا الأمر.
ونحن ننطلق من المبدأ التالي: إن حماية سلامة أراضي الاتحاد الروسي وتثبيت سلامة أراضي وحدة فيدرالية تابعة للاتحاد ليسا شيئاً واحداً. حماية الأولى تتعلق بالدولة ككل، وتثبيت الثانية يتعلق بالبناء الداخلي للفيدرالية واستقرار الوحدة نفسها. والجمهورية، مع اعترافها بأنها جزء من روسيا، لها الحق في أن تثبت أن أراضيها ليست مادة إدارية عشوائية يمكن إعادة تشكيلها دون مراعاة السياق التاريخي والوطني والاجتماعي والقانوني.
ولهذا السبب تحديداً، لا نرى في ما يحدث تعبيراً عن ضرورة حكومية لا مفر منها، بل نراه خطأ سياسياً وقانونياً جسيماً ارتكبته، ربما، إدارات ومسؤولون ينظرون إلى دستور الجمهورية بشكل ضيق للغاية – كـمجموعة من المصطلحات الخاضعة للتصفية التلقائية. لكن الجمهورية ليست وثيقة مكتبية؛ فكل كلمة هنا عن الأرض، والكيان السياسي، والتوافق الداخلي مرتبطة بالذاكرة التاريخية والتوازن بين القوميات وثقة الناس في السلطة. ولم يفت الأوان بعد لوقف هذه العملية، وإعادة النظر في احتجاج الادعاء العام، ونقل القضية من دائرة الضغط الإداري إلى حوار اجتماعي وقانوني مفتوح. ولن يكون ذلك علامة ضعف من جانب السلطة، بل علامة على نضجها وقدرتها على الاستماع إلى نبض الشعب.
لماذا يبدو هذا الأمر حساساً للغاية بالنسبة لقبردينو – بلقاريا؟
إن قبردينو – بلقاريا جمهورية تضم شعبين أساسيين، وتاريخاً معقداً، وذاكرة أليمة لتهجير الشعب البلقاري، وصدمة تاريخية شركسية، وقضايا تتعلق بالأراضي والبلدات والتمثيل واللغة والهوية والتوازن بين الأعراق. وفي جمهورية كهذه، لا تعتبر كلمات مثل «الأرض»، و«السلامة»، و«الكيان السياسي»، و«السلم الأهلي»، و«الوفاق» كلمات تزيينية. بل إنها تؤدي وظيفة استقرار وتذكر السلطة والمجتمع بأنه لا يمكن هنا التصرف بفظاظة أو بطريقة آلية دون مراعاة التجربة التاريخية والتوازن الداخلي.
وإذا اختفت هذه الكلمات من الدستور، ينشأ لدى الأديغة (الشراكسة) والبلقار قلق مشروع على مستقبلهم. ليس لأنهم يتوقعون كارثة غداً بالضرورة، بل لأنهم يرون التوجه العام: الوضع الخاص للجمهوريات يضعف تدريجياً، والخصوصية الإقليمية تتقلص، ويتم إخضاع كافة الاختلافات السياسية والقانونية لنموذج إداري موحد، ويخيم في الأفق غموض مقلق يزداد حدة في ظل ظروف الحرب.
إن الاتحاد الروسي كبناء سياسي لا يمكن أن يكون حياً إذا تحولت جميع الوحدات الفيدرالية التابعة له إلى خلايا إدارية متطابقة. فمعنى الفيدرالية يكمن تحديداً في أن الأقاليم المختلفة لها تاريخ مختلف، وتركيب سكاني مختلف، وأشكال مختلفة من الإدارة الذاتية، وطرق مختلفة للحفاظ على السلام الداخلي.
تاريخ تفكيك الكيان الجمهوري لقبردينو – بلقاريا
ولفهم أبعاد ما يحدث اليوم، يجب ألا ننظر فقط إلى المبادرة الحالية للادعاء العام لتعديل دستور قبردينو – بلقاريا, بل إلى السلسلة الطويلة من التنازلات والخسائر والتفكيك التي مرت بها الجمهورية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. ففي أوائل التسعينيات، لم تدخل الجمهورية في البناء السياسي الروسي الجديد كإقليم إداري عادي، بل كجمهورية لها دستورها الخاص، ورئيسها، وبرلمانها، وصيغ كيانها السياسي، وسلامة أراضيها، وخصوصيتها السياسية. وفي عام 1994، تم إبرام معاهدة بين الاتحاد الروسي وجمهورية قبردينو – بلقاريا بشأن تحديد مجالات الاختصاص والتفويض المتبادل للصلاحيات. وبلغة مبسطة، كان ذلك يعني أن الجمهورية لم تكن تتمتع بـ «منحة من الأعلى»، بل بإطار تعاقدي خاص للعلاقات مع موسكو يحدد صلاحياتها ومسؤولياتها ووزنها السياسي والقانوني الخاص.
بعد ذلك، وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتحت شعار «مواءمة التشريعات الإقليمية مع القانون الفيدرالي»، بدأت أول عملية تصفية كبرى للاستقلالية الإقليمية: بدأت الفيدرالية التعاقدية تتلاشى في الماضي، وفقدت الاتفاقيات الخاصة بين الوحدات الفيدرالية وموسكو أهميتها، وبدأت الدساتير الإقليمية تتكيف مع الهرم الرأسي الموحد للسلطة. وكان إنهاء معاهدة عام 1994 أحد الضربات القاسية الأولى: فمنذ تلك اللحظة لم تعد قبردينو – بلقاريا طرفاً في اتفاق فيدرالي خاص، بل تحولت بشكل متزايد إلى مجرد منطقة تخضع للإدارة الفيدرالية العامة.
ثم تلت ذلك ضربة للشرعية السياسية. في البداية، تم إضعاف فكرة الانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية، وفي عام 2004، تم تثبيت إجراء في دستور قبردينو – بلقاريا ينتخب بموجبه رئيس الجمهورية ليس من قبل الشعب مباشرة، بل من قبل أعضاء البرلمان من بين المرشحين المقترحين من قبل المركز الفيدرالي. أي أن سكان قبردينو – بلقاريا توقفوا فعلياً عن كونهم المصدر الرئيسي للشرعية السياسية لأعلى مسؤول في الجمهورية.
وبالتوازي مع ذلك، تم إلغاء المكانة الرمزية للسلطة في الجمهورية: حيث تم استبدال منصب رئيس الجمهورية (بريزيدنت) بمنصب رئيس الجمهورية الإداري (رئيس الكيان – غلافا). وهذا ليس تفصيلاً بسيطاً أو مسألة لافتة أو نزاعاً على الكلمات، لأن الكلمات في السياسة تحدد الوضع: فـ «رئيس الجمهورية» كان يبدو حاملاً لسيادتها الخاصة، بينما «رئيس الكيان» يبدو بشكل متزايد كمدير إقليمي داخل الهيكل الرأسي. وكانت الضربة الكبيرة التالية هي إلغاء المحكمة الدستورية لجمهورية قبردينو – بلقاريا – وهي المؤسسة المحلية التي كان بإمكانها تفسير دستور الجمهورية، والنظر في توافق قوانين الجمهورية مع قانونها الأساسي، وإثبات وجود نظام دستوري خاص بالجمهورية بمجرد وجودها. وفي 1 يناير 2022، تمت تصفية هذه المؤسسة، وحُرمت الجمهورية من درعها الدستوري الداخلي، أي الآلية التي كان بإمكانها على الأقل الإشارة قانونياً إلى أن قبردينو – بلقاريا لا تملك إدارة فحسب، بل كينونة قانونية خاصة بها.
ثم بدأت عملية إدماج المناطق والبلديات في «النظام الموحد للسلطة العامة». وبلغة واضحة، يعني هذا ما يلي: أصبحت الإدارة الذاتية المحلية والسلطة الإقليمية تعملان بشكل أقل كأول مستويات للتنظيم الشعبي المستقل، وتتحولان بشكل متزايد إلى الطبقات الدنيا من هرم إداري موحد.
والآن، وضعت الركائز الفكرية الأخيرة لدستور قبردينو – بلقاريا تحت التهديد – الأحكام المتعلقة بسلامة وحرمة أراضي الجمهورية، والحفاظ على كيانها السياسي، ووضع رئيس الجمهورية كرئيس للدولة، وصلاحياته في ضمان سلامة الأراضي والأمن.
وبعبارة أخرى، حُرمت الجمهورية أولاً من الأساس التعاقدي لعلاقاتها مع موسكو، ثم من التفويض الشعبي المباشر لزعيمها، ثم من الرمز الرئاسي، ثم من محكمتها الدستورية الخاصة، ثم تم دمج سلطتها وإدارتها المحلية بشكل أكبر في الهيكل الرأسي، والآن يُقترح إزالة اللغة التي يمكن لقبردينو – بلقاريا من خلالها التحدث عن نفسها كجمهورية ذات أرض وكيان سياسي وخصوصية سياسية داخلية.
إن النتيجة المؤقتة لهذه العملية قاسية، ولكن يجب تسميتها بأمانة: لا تزال قبردينو – بلقاريا تحتفظ حالياً باسمها وعلمها وشعارها وبرلمانها وحكومتها والسمات الشكلية للجمهورية؛ ولكن من الداخل، يتم تجريد هذه السمات تدريجياً من مضمونها الحمائي الحقيقي. تظل الجمهورية غلافاً فارغاً تُنتزع منه آليات الاستقلالية خطوة بخطوة. والسؤال الرئيسي اليوم ليس فقط ما الذي سيتم حذفه من نص الدستور، بل ما الذي يمكن حذفه غداً.
وإذا اعتاد المجتمع على الصمت، وإذا لعب النواب دور الموثقين للقرارات المتخذة بالفعل، وإذا اقتصر الخبراء على التعليقات الحذرة، وعجزت المنظمات الوطنية والأهلية عن توضيح ثمن ما يحدث للناس؛ فإن المرحلة التالية قد لا تقتصر على الكلمات في الدستور، بل ستمس مباشرة قضايا الأراضي والحدود والتقسيمات البلدية ووضع التجمعات السكنية والرقابة على الموظفين وتوزيع الصلاحيات والتوازن الداخلي بين شعوب قبردينو – بلقاريا.
ولهذا السبب بالذات، لا يمكن اعتبار التعديلات الحالية إجراءً قانونياً تقنياً: فهي تمثل خط تراجع آخر، ستصبح بعده مساحة الخصوصية الجمهورية أكثر ضيقاً، وسيكون ثمن التنازل التالي أعلى بكثير.
ولا يمكن استبعاد أنه بعد قبردينو – بلقاريا، قد يُطبق منطق مماثل على جمهوريات أخرى في شركيسيا التاريخية – وقبل كل شيء على قره تشاي – شركيسيا وأديغيا، حيث لا تزال هناك أشكال متبقية من الخصوصية الجمهورية ولغتها الدستورية الدفاعية الخاصة.
وفي هذا السياق، يثير توقيت إدخال التعديلات على الدستور قلقاً خاصاً. ربما اعتقد الادعاء العام على عجل أن حالة الحرب الفعلية ستجعل أي احتجاج غير شرعي وتلقائياً محفوفاً بالمخاطر للتعبير عن الاستياء الشعبي. لكن مثل هذا الحساب خطير على السلطة نفسها. فإذا وُضع الناس أمام الأمر الواقع وأُفهموا أن جمهوريتهم ودستورهم وتاريخهم وكرامتهم الوطنية لا تعني شيئاً أمام قرار إداري، فإن هذا لن يعزز الاستقرار بل سيقوضه. إن تجاهل مخاوف المجتمع لا يحل المشكلة، بل يدفعها إلى الداخل، ويحول الخلاف القانوني إلى مسألة ثقة، ومسألة الثقة تتحول في النهاية إلى أزمة سياسية. وكلما أسرعت السلطات في الاستماع إلى المجتمع ووقفت العملية، قل ثمن الخروج من هذا الوضع.
دستور قبردينو – بلقاريا – قضية تهم العالم الشركسي بأكمله
يستحق موقف الشتات الشركسي اهتماماً خاصاً؛ لأن قضية دستور قبردينو – بلقاريا بالنسبة له ليست نزاعاً إقليمياً خارجياً، بل هي مسألة الحفاظ على صلة حية بالوطن التاريخي. ففي 14 يونيو، أصدرت أكثر من أربعين منظمة شركسية وقوقازية نداءً مشتركاً إلى قيادة وبرلمان قبردينو – بلقاريا، تطالب فيه بالاحفاظ بالضمانات الدستورية للكيان السياسي والأمن وسلامة أراضي الجمهورية.
إن قلقهم مفهوم تماماً: فبعد الحرب الروسية – القوقازية، والإبادة الجماعية، والتهجير، وتشتت الشراكسة في بلدان مختلفة، تظل الجمهوريات الوطنية في القوقاز هي الركائز المؤسسية القليلة التي يحافظ الشعب من خلالها ليس فقط على ذاكرته، بل وعلى أمل العودة والاندماج الثقافي والمشاركة في حياة أرض الآباء والأجداد. إن إضعاف وضع جمهورية قبردينو – بلقاريا يوجه ضربة ليس فقط لسكان الجمهورية، بل للعالم الشركسي بأكمله. بالنسبة لقبردينو – بلقاريا، هذه مسألة أرض وصلاحيات وتوازن داخلي واحترام لوضعها الجمهوري؛ بالنسبة للشتات، هي مسألة مستقبل شعب لا يريد أن يتحول إلى مجرد فلكلور دون صلة سياسية وقانونية بشركيسيا التاريخية.
وسيكون من الحكمة أن تأخذ السلطات الروسية هذا الصوت بعين الاعتبار. فالشتات الشركسي هو شبكة دولية من المجتمعات والمنظمات والمحامين ورجال الأعمال والمثقفين والشخصيات العامة في تركيا وأوروبا والولايات المتحدة والأردن وإسرائيل وسوريا ودول أخرى. وإن التجاهل الواضح لموقفهم سيُفسر كعمل جديد من أعمال الإقصاء.
وفي الوقت نفسه، يمكن للشتات نفسه بل ويجب عليه العمل بشكل منهجي: ترجمة النداءات إلى اللغات التركية والإنجليزية والعربية والأوروبية؛ والعمل مع البرلمانات والأحزاب ومنظمات حقوق الإنسان ومراكز الأبحاث في بلدان الإقامة؛ وإشراك محامين متخصصين في حقوق الشعوب الأصيلة والفيدرالية؛ وتشكيل لجنة تنسيق موحدة للدفاع عن الوضع الجمهوري لقبردينو – بلقاريا وقره تشاي – شركيسيا وأديغيا؛ والعمل على ألا تظل قضية الحفاظ على الجمهوريات الشركسية موضوعاً بيروقراطياً داخلياً بل تُفهم كقضية عدالة تاريخية واستقرار للقوقاز وحفاظ على شعب انتهى جزء كبير منه خارج وطنه.
ونود أن نلفت الانتباه إلى أنه خلال الحرب العالمية الثانية، تم إلغاء منطقة شابسوج الوطنية على ساحل البحر الأسود في شركيسيا التاريخية. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة والعمل الواسع الذي قام به المجتمع الشركسي في التسعينيات، لم يكن من الممكن استعادة هذه المنطقة.
أيها المواطنون الأعزاء! ندعو جميع الشراكسة وجميع سكان جمهورية قبردينو – بلقاريا للتضامن دفاعاً عن جمهوريتهم.
يجب ألا نعزي أنفسنا بأوهام فارغة. الوضع خطير للغاية ويتطلب التعبئة الكاملة لجميع قواتنا في الوطن وفي الشتات على حد سواء. ولكن قد لا تكون جهود الشراكسة وحدهم كافية. ويبدو من الضروري إجراء عمل إعلامي وتوضيحي واسع النطاق بين سكان المنطقة وتوحيد الجهود الجماعية مع جميع سكان الجمهورية وممثلي الجمهوريات الوطنية الأخرى.
وإذا تمكنا معاً من تعبئة الرأي العام، فقد يتراجع الادعاء العام عن خططه. أما إذا أظهرنا إهمالاً، فقد نفقد جمهورياتنا الوطنية تماماً خلال الدورة التالية من تفكيكها تحت ذريعة «إدخال تعديلات لمواءمة القوانين المحلية مع التشريع الفيدرالي».
إن دستور الجمهورية ليس تعليماً إدارياً، ولا صحيفة حائط في بهو شركة خاصة أو وكالة أمنية. الجمهورية قضية مشتركة، قضية شعب، ولا يمكن تغيير دستورها كما لو كان تعديلاً تقنياً للوائح. فضلاً عن أن التغيير يستهدف مضمون بعض المواد الأساسية مباشرة.
ونحن، إلى جانب شعب الجمهورية والشخصيات العامة وممثلي الشتات، نصر على أن: دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا يجب أن يُحفظ في صيغته الحالية. والخطوة الأولى المعقولة لا ينبغي أن تكون فرض التعديلات على عجل، بل وقف هذه العملية بالكامل، وتوضيح موقف الادعاء العام علناً، ونشر كافة المسوغات القانونية، وتنظيم نقاش عام واسع النطاق. وفي أقصى الحالات، إذا أصرت السلطات على تغيير الأحكام الأساسية للدستور، فيجب طرح القضية للاستفتاء. فلا يمكن لأي قرار مؤسسي أن يحل محل إرادة الشعب في مسألة تتعلق بمستقبل الجمهورية.
ونذكركم بأن المادة 4 من دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا تنص على أن: السلطة في جمهورية قبردينو – بلقاريا ملك للشعب. يمارس شعب جمهورية قبردينو – بلقاريا سلطته مباشرة، وكذلك من خلال أجهزة سلطة الدولة وأجهزة الإدارة المحلية. التعيير الأعلى والمباشر عن سلطة شعب جمهورية قبردينو – بلقاريا هو الاستفتاء والانتخابات الحرة.
لقد طرحت أجهزة الادعاء العام أسئلة حيوية تتعلق بتعديل دستور جمهورية قبردينو – بلقاريا ومستقبل شعبها. ومن الواضح تماماً أن مثل هذه الأسئلة تتطلب استفتاءً ولا يمكن فرضها على الشعب دون مراعاة إرادته. وهذا الأسلوب وحده يمكن أن يكون مشروعاً في نظر السكان. وكل المحاولات للالتفاف على إجراءات التعبير المباشر عن الإرادة الشعبية ستواجه عاجلاً أم آجلاً رد فعل مضاد ومطالب بالعودة إلى الوضع السابق بمجرد أن يتأرجح بندول التاريخ في الاتجاه المعاكس.
وإذا استمر الادعاء العام للاتحاد الروسي في ممارسة الضغط على برلمان قبردينو – بلقاريا، فيمكن اقتراح إنشاء لجنة توافقية لإعداد وإجراء الاستفتاء، تضم ممثلين عن السلطتين التنفيذية والتشريعية في الجمهورية، ومحامين مستقلين، ومؤرخين، وممثلين عن المجتمع والمنظمات الوطنية والحقوقية.
وسيقدم المجتمع الدعم الكامل لرئيس الجمهورية والبرلمان إذا اتخذا موقفاً مبدئياً. وخلاف ذلك، فإن ممثلي السلطتين التنفيذية والتشريعية في الجمهورية سيدخلون التاريخ كأشخاص لم يؤدوا واجبهم في حماية مصالح قبردينو – بلقاريا.
خاتمة
الجمهورية ليست وحدة إدارية بلا صاحب، بل هي وحدة تابعة للاتحاد الفيدرالي لها أرض تأسست تاريخياً، وسكان، وحق في التعامل معها باحترام.
إن تجاهل السلطات للمخاوف المشروعة لشعب قبردينو – بلقاريا قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة. وهذا ليس تهديداً للدولة، بل على العكس تماماً، هو رد فعل طبيعي لمجتمع مسؤول يدرك أهمية الدستور ولا يريد للقضايا المصيرية أن تمر دون نقاش حقيقي ومراعاة لرأي الشعب.
عندما يتم تصوير هذا القلق كعداء أو نزعة انفصالية أو إثارة للقلاقل، فإن السلطة تسلك طريقاً سيئاً يدفع المشكلة إلى الداخل، ويزيد من عدم الثقة، ويترك الناس مع شعور بأن أصواتهم لا تُسمع.
واليوم، تتحدث الشخصيات العامة في قبردينو – بلقاريا والشراكسة في جميع أنحاء العالم عن الحفاظ على الضمانات الدستورية، والفيدرالية، وكرامة الجمهورية، واحترام خصوصيتها التاريخية، وينتظرون إجابة صادقة: ما الذي تستعد سلطة الجمهورية لفعله لضمان عدم تجاهل مخاوف المجتمع؟
وحتى الآن، يمكن للسلطات الخروج من هذا الوضع بكرامة: الاستماع إلى المجتمع، والاعتراف بخطأ النهج المتسرع، ووقف العملية. ولكن إذا تم تجاهل قلق الشعب، فإن المسؤولية عن زيادة عدم الثقة في المستقبل لن تقع على عاتق الشخصيات العامة التي حذرت من المخاطر، بل على عاتق أولئك الذين فضلوا فرض القرار دون اعتبار لرأي الجمهورية.
إن مطلبنا بسيط وقانوني: عدم المساس بدستور جمهورية قبردينو – بلقاريا، والحفاظ على الضمانات الحالية للكيان السياسي، وسلامة الأراضي، والخصوصية الجمهورية. وإذا كانت السلطات تحترم شعب الجمهورية حقاً، فعليها وقف هذه العملية الآن. وإذا طُرحت القضية للتعديل رغم ذلك، فلا ينبغي أن يقررها حشد ضيق من المسؤولين أو المنطق البيروقراطي للادعاء العام، بل يجب أن يقررها شعب الجمهورية نفسه من خلال الاستفتاء. وكل ما عدا ذلك سيُعتبر قراراً مفروضاً اتُخذ دون موافقة المجتمع، وسيزيد حتماً من عدم الثقة والاغتراب والتوتر الاجتماعي والسياسي في هذه الفترة الصعبة أصلاً.
الأمة الأديغية حية!
مركز الدراسات الاستراتيجية للمنظمة الشركسية الاجتماعية والسياسية «خَبْزِي».